قضايا و اراء

42455 ‏السنة 126-العدد 2003 مارس 3 ‏30 من ذى الحجة 1423 هـ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(85)‏ فلينظــــر الإنســـان إلي طــعامه
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار

هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع النصف الثاني من سورة عبس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏42‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لإعراض رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ عن ابن أم مكتوم‏,‏ وعبوسه في وجهه‏(‏ وكان رجلا أعمي‏)‏ حين جاء يلتمس العلم الشرعي‏,‏ ورسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ مشغول مع جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلي الإسلام‏,‏ فنزلت هذه السورة المباركة معاتبة أفضل خلق الله قاطبة علي هذا الموقف لتؤكد قيمة إسلامية عليا مؤداها المساواة بين الناس علي الرغم من تباين مستوياتهم الاجتماعية‏,‏ وإمكاناتهم المادية من مال وجاه وسلطان‏,‏ والمفاضلة بينهم فقط علي أساس من تقوي الله‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في سورة الحجرات‏:‏

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي‏*‏ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير‏*‏
‏(‏الحجرات‏:13)‏

والمحور الرئيسي للسورة الكريمة يدور حول قضية العقيدة‏,‏ والوحي بها‏,‏ والآخرة وأهوالها‏,‏ وتستدل علي صدق ما جاء بها بخلق الإنسان من نطفة‏,‏ وتقدير صفاته وجنسه‏,‏ وأجله ورزقه‏,‏ وشقي أم سعيد‏,‏ وتيسير سبل الحياة له‏,‏ وسبل الهداية فيها‏,‏ وقد قدر الله‏(‏ تعالي‏)‏ عليه بعد ذلك الموت والبعث والنشور والحساب‏,‏ والخلود في حياة مقبلة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وكثير من الكافرين تمضي بهم الحياة دون أن يحقق الواحد منهم شيئا من واجباته فيها أو أن يعرف الغاية من وجوده في هذه الحياة الدنيا‏,‏ فينتهي أجله ليلقي الله‏(‏ تعالي‏)‏ صفر اليدين‏,‏ مثقل الكاهل بالذنوب‏.‏ وتستدل السورة الكريمة كذلك بما خلق الله‏(‏ تعالي‏)‏ من أنواع الطعام لكل من الإنسان والحيوان‏,‏ وتختتم بالحديث عن القيامة وأهوالها‏,‏ وعن تمايز الناس فيها بين مؤمن صادق‏,‏ وكافر فاجر فيقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في ختامها
وجوه يومئذ مسفرة‏*‏ ضاحكة مستبشرة‏*‏ ووجوه يومئذ عليها غبرة‏*‏ ترهقها قترة‏.‏ أولئك هم الكفرة الفجرة‏*‏
‏(‏عبس‏:38‏ ـ‏42).‏

من ركائز العقيدة في سورة عبس
من الركائز التي ألمحت إليها هذه السورة المباركة ما يلي‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله‏(‏ تعالي‏)‏ ربا‏,‏ وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ نبيا ورسولا‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بوحدة الجنس البشري‏,‏ وبالأخوة الإنسانية‏,‏ ومن ثم فإن أساس المفاضلة بين الناس يجب أن يكون هو تقوي الله‏(‏ تعالي‏),‏ وخشيته‏,‏ وحسن عبادته‏,‏ وليست المستويات الاجتماعية‏,‏ ولا الإمكانات المادية الزائلة من مال‏,‏ وجاه‏,‏ وسلطان‏.‏

‏(3)‏ الإيمان بأن وحي السماء إلي العباد حق‏,‏ تنقله الملائكة الكرام البررة إلي رسل الله المختارين في الأرض ليبلغوه إلي الناس‏,‏ كل إلي أمته‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو آخر صور الوحي المنزلة من الله‏(‏ تعالي‏)‏ هداية للإنسان‏,‏ وتذكرة له‏,‏ فمن شاء منهم اهتدي بهديه‏,‏ ومن لم يشأ فإثمه فوق رأسه‏,‏ وبما أن القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة فهو محفوظ في الأرض وفي السماء‏:‏ في صحف مكرمة‏.‏ مرفوعة مطهرة‏.‏ بأيدي سفرة‏.‏ كرام بررة‏.‏ وقد حفظه الله‏(‏ تعالي‏)‏ منزها عن عبث العابثين من شياطين الإنس والجن‏,‏ وعن أي خلل أو نقص يمكن أن يطوله كما طال الصحف من قبله‏.‏

‏(5)‏ الإيمان الكامل بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خلق الإنسان من نطفة فقدره‏,‏ أي حدد له صفاته‏,‏ وجنسه‏,‏ وأجله ورزقه‏,‏ وشقي أم سعيد‏,‏ ويسر له سبل الخروج إلي الحياة‏,‏ وأساليب الهداية والنجاح فيها‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بأن الموت حق علي العباد‏,‏ وأن البعث والنشور حتمي عليهم كذلك‏.‏

‏(7)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه‏)‏ هو الذي أوجد طعام كل من الإنسان وأنعامه‏,‏ وأنبته لهم من الأرض بمختلف أشكاله وألوانه وطعومه بقدرة فائقة تشهد له‏(‏ سبحانه‏)‏ بالألوهية والربوبية‏.‏
‏(8)‏ الإيمان بالآخرة وأهوالها التي تجعل المرء يفر من أقرب الناس إليه‏,‏ وبحتمية وقوعها‏,‏ وبانقسام الناس فيها بين مؤمن مستبشر سعيد‏,‏ وكافر شقي تعيس‏,‏ وشتان بين المصيرين‏.‏

من الآيات الكونية في سورة عبس
‏(1)‏ خلق الإنسان من نطفة‏,‏ والنطفة في اللغة هي القليل من الماء الذي يعدل قطرة‏,‏ وفي القرآن الكريم يقصد بالنطفة كل من الحيوان المنوي والبييضة‏,‏ فإذا اتحدا سميت اللقيحة الناتجة عن اتحادهما باسم النطفة الأمشاج‏,‏ أي المختلطة‏,‏ ويبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبييضة وينتهي بطور الحرث‏(‏ الانغراس‏).‏
‏(2)‏ تقدير النطفة‏,‏ ويأتي لفظ التقدير بمعني التروية والتفكير في تسوية أمر من الأمور وتهيئته‏,‏ وتقديره بعلامات تطبع عليه‏,‏ ويقصد بالتقدير هنا ما يعرف اليوم باسم البرمجة الجينية أو تحديد الصفات التي سوف تظهر علي الجنين في المستقبل والتي تعرف باسم الصفات السائدة‏,‏ وكذلك الصفات المتنحية لتظهر في الأجيال المقبلة من نسله‏,‏ وبذلك يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها لذاته ولنسله من بعده إلي يوم الدين‏.‏

ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد جنس الجنين ذكرا كان أو أنثي‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثي‏*‏ من نطفة إذا تمني‏*(‏ النجم‏:46,45).‏

‏(3)(‏ ثم السبيل يسره‏):‏ وهي إشارة إلي مرحلة انتهاء الحضانة الرحمية بولادة الجنين‏,‏ وفيها قدر الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ تيسير طريق الجنين لتيسير ولادته‏,‏ وذلك بإفراز العديد من الهرمونات‏,‏ والسوائل المخاطية والأغشيةالتي تعين الجنين علي الخروج بيسر إلي الحياة الصاخبة خارج بطن أمه‏.‏
‏(4)‏ تنبيه الإنسان الغافل‏,‏ والجاحد لنعم الله‏(‏ تعالي‏)‏ عليه‏,‏ كي ينظر إلي طعامه‏,‏ ويتفكر في الذي أعده له بالعديد من العمليات الدقيقة والمرتبة والمسخرة لإنزال المطر ولجعل الأرض قادرة علي الإنبات‏,‏ وخلق مختلف النباتات فيها من ذوات المحاصيل‏(‏ كالحبوب‏,‏ والأعناب‏,‏ والبقول‏,‏ والخضراوات‏,‏ والزيتون‏,‏ والنخيل‏,‏ ومختلف أنواع الفواكه والثمار‏)‏ ومن غير ذوات المحاصيل‏(‏ كالكلأ والعشب‏)‏ مما يحتاجه كل من الإنسان والأنعام في طعامه‏,‏ والطعام ضرورة من ضرورات نمو كل منهما‏,‏ كما أنه لازم لتعويض ما يموت من خلاياه‏,‏ ولازم لبقائه علي قيد الحياة إلي أن يتوفاه الله‏.‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ لكني سوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الأخيرة المتعلقة بدعوة القرآن الكريم للإنسان الجاحد أن ينظر إلي طعامه ليدرك مدي نعم الله‏(‏ تعالي‏)‏ عليه في هذه القضية وحدها التي لخصتها سورة عبس في تسع آيات‏(24:31),‏ وقبل الشروع في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامي والمعاصرين في شرح هذه الآيات التسع المباركات‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏

فلينظر الإنسان إلي طعامه‏*‏ أنا صببنا الماء صبا‏.‏ ثم شققنا الأرض شقا‏.‏ فأنبتنا فيها حبا‏.‏ وعنبا وقضبا‏*‏ وزيتونا ونخلا‏*‏ وحدائق غلبا‏*‏ وفاكهة وأبا‏*‏ متاعا لكم ولأنعامكم‏*‏
‏(‏عبس‏:24‏ ـ‏31)‏

‏*‏ ذكر الطبري‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما نصه‏:(‏ فلينظر الإنسان‏)‏ يعني‏:‏ الكافر‏(‏ إلي طعامه‏)‏ كيف دبره الله؟ وقيل إلي مدخله فيه ومخرجه‏.(‏ أنا صببنا الماء‏)‏ الغيث‏(‏ صبا‏),(‏ ثم شققنا الأرض‏)‏ بالنبات‏(‏ شقا‏.‏ فأنبتنا فيها حبا‏):‏ حب الزرع‏(‏ وعنبا‏):‏ كروما‏(‏ وقضبا‏)‏ يعني بها‏:‏ الرطبة‏,‏ وأهل مكة يسمون القت‏:‏ القضب‏,(‏ وحدائق غلبا‏)‏ بساتين محوطا عليها‏(‏ غلبا‏):‏ غلاظا يستظل بها‏(‏ وفاكهة‏)‏ من ثمار الأشجار‏(‏ وأبا‏):‏ ما تأكله البهائم من العشب والنبات‏(‏ متاعا لكم ولأنعامكم‏)‏ تتمتعون بها وتنتفعون‏.‏

‏*‏ وذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ وقوله تعالي‏:(‏ فلينظر الإنسان إلي طعامه‏)‏ فيه امتنان‏,‏ وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة‏,‏ علي إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية وترابا متمزقا‏,(‏ أنا صببنا الماء صبا‏)‏ أي أنزلناه من السماء علي الأرض‏,(‏ ثم شققنا الأرض شقا‏)‏ أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها‏,‏ فنبت وارتفع وظهر علي وجه الأرض‏,(‏ فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا‏),‏ فالحب كل ما يذكر من الحبوب‏,‏ والعنب معروف‏,‏ والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة‏,‏ ويقال لها القت أيضا‏.‏ قال ذلك ابن عباس وقتادة‏,‏ وقال الحسن البصري‏:‏ القضب العلف‏(‏ وزيتونا‏)‏ وهو معروف‏,‏ وهو أدم وعصيره أدم‏,‏ ويستصبح به ويدهن به‏(‏ ونخلا‏)‏ يؤكل بلحا وبسرا‏,‏ ورطبا وتمرا‏,‏ ونيئا ومطبوخا‏,‏ ويعتصر منه رب وخل‏.(‏ وحدائق غلبا‏)‏ أي بساتين‏,‏ قال الحسن وقتادة‏:‏ غلبا نخل غلاظ كرام‏,‏ وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ كل ما التف واجتمع‏,‏ وقال ابن عباس أيضا‏(‏ غلبا‏)‏ الشجر الذي يستظل به‏,‏ وقال عكرمة‏(‏ غلبا‏)‏ أي غلاظ الأوساط‏,‏ وقوله تعالي‏(‏ وفاكهة وأبا‏)‏ أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ الفاكهة كل ما أكل رطبا‏,‏ والأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس‏,‏ وفي رواية عنه‏:‏ هو الحشيش للبهائم‏,‏ وقال مجاهد‏:‏ الأب الكلأ‏,‏ وعن مجاهد والحسن‏:‏ الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم‏,‏ وعن عطاء كل شيء نبت علي وجه الأرض فهو أب‏,‏ وقال الضحاك‏:‏ كل شيء أنبتته الأرض سوي الفاكهة فهو الأب‏.‏ وقال العوفي‏,‏ عن ابن عباس‏:‏ الأب‏:‏ الكلأ والمرعي‏....‏

‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:(‏ فلينظر الإنسان‏)‏ نظر اعتبار‏(‏ إلي طعامه‏)‏ كيف قدر ودبر له‏.(‏ أنا صببنا الماء‏)‏ من السحاب علي الأرض‏(‏ صبا‏)‏ أي بغزارة‏.(‏ ثم شققنا الأرض‏)‏ بالنبات‏(‏ شقا‏).(‏ فأنبتنا فيها حبا‏)‏ كالحنطة والشعير‏.(‏ وعنبا وقضبا‏)‏ هو‏:‏ القت الرطب علفا للدواب‏.(‏ وزيتونا ونخلا‏)‏ أي‏:‏ شجرتا الزيتون والنخيل‏.(‏ وحدائق غلبا‏)‏ بساتين كثيرة الأشجار‏.(‏ وفاكهة وأبا‏)‏ ما ترعاه البهائم‏,‏ وقيل التبن‏.(‏ متاعا‏)‏ متعة أو تمتيعا‏...(‏ لكم ولأنعامكم‏)‏ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم‏.‏
‏*‏ وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:‏ وينتقل السياق إلي لمسة أخري في مقطع جديد‏...‏ فتلك هي نشأة هذا الإنسان‏..‏ فهلا نظر إلي طعامه وطعام أنعامه في هذه الرحلة؟ وهي شيء واحد من أشياء يسرها له خالقه؟

هذه قصة طعامه مفصلة مرحلة مرحلة‏,‏ هذه هي فلينظر إليها‏,‏ فهل له من يد فيها؟ هل له من تدبير في أمرها؟ إن اليد التي أخرجته إلي الحياة وأبدعت قصته‏,‏ هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه‏,‏ وأبدعت قصته‏...(‏ فلينظر الإنسان إلي طعامه‏),‏ ألصق شيء به‏,‏ وأقرب شيء إليه‏,‏ وألزم شيء له‏..‏ لينظر إلي هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر‏.‏ لينظر إلي قصته العجيبة اليسيرة‏,‏ فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب‏,‏ وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته‏,‏ وكل خطوة من خطواتها بين القدرة التي أبدعته‏:(‏ أنا صببنا الماء صبا‏)..‏ وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة‏,‏ في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة‏.‏ فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان‏,‏ فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدي وأقدم عهدا من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد‏.‏
واستعار صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله‏)‏ فرضا عن أصل ماء الأرض نقله عن كتاب الإنسان لا يقوم وحده‏(‏ تأليف أ‏.‏ كريس موريسون وترجمه محمود صالح الفلكي بعنوان‏:(‏ العلم يدعو للإيمان‏)‏ ثم أضاف‏:‏ ذلك كان أول قصة الطعام‏:(‏ أنا صببنا الماء صبا‏)..‏ ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره‏,‏ وفي أي تاريخ لحدوثه‏,‏ ولا أنه صبه علي الأرض صبا لتسير قصة الطعام في هذا الطريق‏!.‏

‏(‏ثم شققنا الأرض شقا‏)..‏ وهذه هي المرحلة التالية لصب الماء‏.‏ وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يري الماء ينصب من السماء بقدرة غير قدرته‏,‏ وتدبير غير تدبيره‏.‏ ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها‏.‏ أو يري النبت يشق تربة الأرض شقا بقدرة الخالق‏(‏ سبحانه‏)‏ وينمو علي وجهها‏,‏ ويمتد في الهواء فوقها‏..‏ وهو نحيل نحيل‏,‏ والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة‏.‏ ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقا‏,‏ وتعينه علي النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف‏.‏ وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة‏,‏ ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية‏.‏
فأما حين تتقدم معارف الإنسان فقد يعن له مدي آخر من التصور في هذا النص‏,‏ وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور‏.‏ إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة‏...,‏ وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها‏,‏ حتي وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع‏.‏ وكان هذا أثرا من آثار الماء تاليا في تاريخه لصب الماء صبا‏,‏ مما يتسق أكثر من هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص‏.‏

وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث‏,‏ وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين‏,‏ وأعمها في طعام الناس والحيوان‏:(‏ فأنبتنا فيها حبا‏)..‏ وهو يشمل جميع ما يأكله الناس في أية صورة من صوره‏,‏ وما يتغذي به الحيوان في كل حالة من حالاته‏.(‏ وعنبا وقضبا‏)..‏ والعنب معروف‏,‏ والقضب هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخري‏(‏ وزيتونا ونخلا‏.‏ وحدائق غلبا وفاكهة وأبا‏)...‏ والزيتون والنخل معروفان لكل عربي‏,‏ والحدائق جمع حديقة‏,‏ وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها‏.‏ و‏(‏غلبا‏)‏ جمع غلباء أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار‏.‏ والفاكهة من ثمار الحدائق و‏(‏الأب‏)‏ أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام‏....‏

‏*‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما نصه‏:(‏ فلينظر الإنسان إلي طعامه‏)‏ كيف دبر‏:(‏ أنا صببنا الماء صبا‏)‏ أنزلنا له الغيث من السماء إنزالا‏.(‏ ثم شققنا الأرض شقا‏)‏ شققناها بالنبات شقا بديعا‏,‏ لائقا بما يشقها منه صغرا وكبرا‏,‏ وشكلا وهيئة‏.(‏ حبا‏)‏ ما يقتات به الإنسان ويدخره‏,‏ من نحو الحنطة والشعير والذرة‏.(‏ وعنبا‏)‏ يتفكه به‏.(‏ وقضبا‏)‏ علفا رطبا للدواب ويسمي الفصفصة‏,‏ وإذا يبس يسمي القت‏,‏ وسمي قضبا لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد أخري كالكلأ والبرسيم‏.‏ وقيل‏:‏ القضب ما يقضب من النبات ليأكله الإنسان غضا طريا‏,‏ كالبقول التي تقطع فينبت أصلها‏.(‏ وحدائق‏)‏ بساتين محوطة‏,‏ جمع حديقة‏,‏ وهي ما أحيط من النخل والشجر‏,‏ فإذا لم يحط فليس بحديقة‏,‏ بل هو بستان‏,‏ ومنه أحدقوا به أي أحاطوا به‏.(‏ غلبا‏)‏ عظاما‏,‏ جمع أغلب وغلباء‏.‏ والغلباء هي الحديقة الغليظة الأشجار الملتفة‏.‏ وأصلها من الغلب ـبفتحتينـ بمعني الغلظ‏,‏ يقال‏:‏ غلب ـكفرحـ أي غلظ عنقه‏,‏ ومنه‏:‏ الأغلب للغليظ الرقبة‏,‏ وهضبة غلباء‏:‏ أي عظيمة مشرفة‏.(‏ وأبا‏)‏ الأب‏:‏ الكلأ والمرعي‏,‏ وهو ما تأكله الب
هائم من العشب‏,‏ من أبه‏:‏ إذا أمه وقصده‏,‏ لأنه يؤم ويقصد‏.‏ أو من أب لكذا‏:‏ إذا تهيأ له‏,‏ لأنه متهيء للرعي‏.‏ أو ما تأكله البهائم من العشب والنبات‏,‏ رطبا كان أو يابسا‏.‏ فهو أعم من القضب‏,‏ أو هو التبن خاصة‏.‏
‏*‏ وذكر كل من أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم وصفوة التفاسير كلاهما مشابها لا أري داعيا لتكراره هنا‏.‏

أولا‏:‏ فلينظر الإنسان إلي طعامه‏:‏
من الدلالات العلمية للآيات الكريمة
‏(‏الطعام‏)‏ و‏(‏الطعم‏)‏ هو كل ما يؤكل‏,‏ و‏(‏الطعم‏)‏ تناول الغذاء‏,‏ و‏(‏الطعمة‏)‏ المأكلة‏,‏ ويقال‏:(‏ طعم‏)(‏ طعما‏)‏ إذا أكل أو ذاق فهو‏(‏ طاعم‏),‏ و‏(‏استطعمه‏)‏ أي سأله أن يطعمه فأطعمه‏.‏
وقد يستعمل الفعل‏(‏ طعم‏)‏ في الشراب أيضا لقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي لسان طالوت لجنوده‏:...‏ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني‏*‏
‏(‏البقرة‏:249).‏

وقول رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في وصفه لماء زمزم إنه طعام طعم وشفاء سقم‏.‏
ولذلك بدأت هذه المجموعة من الآيات التي تتحدث عن الطعام في سورة عبس بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
أنا صببنا الماء صبا‏.‏

ومن الثابت علميا أن الماء سابق في وجوده علي خلق الحياة لأن الحياة الأرضية التي نعرفها لا تقوم بغير الماء الذي أخرجه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ أصلا من داخل الأرض‏,‏ وصدق الله العظيم إذ يقول‏:‏
والأرض بعد ذلك دحاها‏*‏ أخرج منها ماءها ومرعاها‏*‏
‏(‏النازعات‏30‏ و‏31)‏
وعلي الماء قامت حياة كل من النبات والحيوان والإنسان وأعد الله‏(‏ تعالي‏)‏ للإنسان كل صنوف الطعام التي يحتاجها في حياته‏,‏ ومن هنا كانت الإشارة إليه لينظر إلي طعامه نظر تدبر وتفكر واعتبار‏.‏

ثانيا‏:‏ أنا صببنا الماء صبا‏:‏
تعتبر دورة الماء حول الأرض من دلالات طلاقة القدرة الإلهية‏,‏ فقبل إخراج ماء الأرض من داخلها عبر فوهات البراكين‏,‏ كان الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد هيأها سقفا باردا تتكثف عنده وهو الحد العلوي لنطاق الرجع‏(‏ نطاق التغيرات المناخية‏)‏ الذي تصل عنده درجة الحرارة فوق خط الاستواء إلي‏(60)‏ درجة تحت الصفر‏,‏ ولولا هذه الحقيقة لارتفع بخار الماء المتصاعد من الأرض إلي طبقات الجو العليا وانفلت من نطاق جاذبية الأرض إلي فسحة الكون‏,‏ ولو حدث ذلك ما كنا ولا كانت الحياة من حولنا علي الإطلاق‏.‏
وعند وصول بخار الماء المتصاعد من الأرض إلي الحد الأعلي لنطاق الرجع تكثف وعاد إلي الأرض مطرا‏,‏ وساعد تكرر نزول المطر علي تبرد الغلاف الصخري للأرض‏,‏ كما ساعد علي سيلان الماء علي سطح الأرض شاقا أودية له علي هيئة أعداد من الأنهار والجداول‏,‏ وعلي تحركه إلي منخفضات الأرض ليملأها بالماء مكونا البحار والمحيطات والبحيرات وغير ذلك من تجمعات الماء علي سطح الأرض‏,‏ وبمجرد تكون ذلك بدأت أشعة الشمس في تبخير هذا الماء ليرتفع علي هيئة بخار يعلق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض مكونا السحب التي يتكثف منها الماء ليعود إلي الأرض مطرا‏,‏ وبردا‏,‏ وثلجا‏.‏

وقد استمرت دورة الماء حول الأرض منذ أن أخرج الله‏(‏ تعالي‏)‏ منها ماءها وسوف تستمر إلي أن يرث الأرض ومن عليها‏.‏
وبهذه الدورة المعجزة التي يتحرك بها الماء من غلاف الأرض المائي إلي غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات‏,‏ ومواد يذيبها من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ أو تعلق به في أثناء جريانه علي سطحها‏,‏ أو من بقايا بلايين الكائنات الحية التي تحيا وتموت في الأوساط المائية‏.‏ وتمتد دورة الماء من نحو الكيلو متر الواحد تحت سطح الأرض إلي ارتفاع يقدر بنحو خمسة عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ فتعمل علي تطهير الماء‏,‏ وتلطيف الجو‏,‏ وتوفير نسبة معينة من الرطوبة في كل من الغلاف الغازي للأرض وتربتها تحتاج إليه غالبية صور الحياة إن لم تكن جميعها خاصة في المناطق الصحراوية‏.‏

وبواسطة هذه الدورة المائية التي استمرت علي مدار عمر الأرض المقدر بنحو خمسة بلايين من السنين تمت تسوية سطح الأرض‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيها‏,‏ كما تم تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين كل من التربة والصخور الرسوبية‏,‏ وخزن قدر من هذا الماء فيها وفي غيرها من صخور قشرة الأرض‏,‏ وتكوين أعداد من الصخور الاقتصادية والركازات المعدنية المهمة‏.‏
ولولا هذا الإعداد الرباني الدقيق ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا كانت صالحة للعمران‏,‏ ولذلك يمن علينا ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ ـوهو صاحب الفضل والمنةـ بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ أنا صببنا الماء صبا أي أنزلنا الغيث من السماء إنزالا‏,‏ لأن صب الماء هو إراقته من أعلي‏,‏ والصبيب هو المصبوب من المطر وإن استعمل لغيره من السوائل‏,‏ فإذا علمنا أن كمية الماء الأرضي تقدر بنحو‏1.4‏ بليون كيلو متر مكعب‏,‏ وأن من هذه الكمية الهائلة التي أخرجها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ لنا من داخل الأرض‏,‏ يتبخر سنويا‏380‏ ألف كيلو متر مكعب‏,‏ ثم تعود كلها إلي الأرض مرة أخري مطرا طهورا‏,‏ يوزعه الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعلمه‏,‏ وحكمته‏,‏ وقدرته‏,‏ إذا علمنا ذلك لأدركنا قيمة هذه النعمة الإلهية الكبري التي وصفها الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله‏:‏ أنا صببنا الماء صبا‏,‏ وقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏*‏ لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا‏(‏ الفرقان‏:49,48).‏

ثالثا‏:‏ ثم شققنا الأرض شقا
ترد كلمة الأرض في القرآن الكريم بثلاثة معان محددة لتعني كوكب الأرض في مجمله‏,‏ أو الغلاف الصخري المكون لليابسة التي نحيا عليها‏,‏ أو قطاع التربة الذي يغطي ذلك الغلاف الصخري في بعض أجزائه‏,‏ كما هو واضح من الآية الكريمة التي نحن بصددها لقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
ثم شققنا الأرض شقا‏.‏ فأنبتنا فيها حبا
وذلك لأن الحب لا ينبت إلا في التربة‏,‏ وكذلك الغالبية الساحقة من النباتات‏.‏

وتتكون تربة الأرض بالتفاعل المعقد بين أغلفتها الصخرية‏,‏ والمائية‏,‏ والهوائية‏,‏ والحيوية‏,‏ مما يؤدي إلي التفكك الفيزيائي والتحلل الكيميائي والحيوي لصخور الأرض بواسطة عوامل التعرية المختلفة‏,‏ وتلعب الكائنات الحية من مثل البكتيريا‏,‏ والفطريات‏,‏ والطحالب‏,‏ وجميع النباتات‏,‏ وبعض الحيوانات دورا رئيسيا في تكون التربة التي تعتبر مصدر الغذاء والماء لحياة كل النباتات الأرضية‏,‏ بل لحياة كل من الإنسان والحيوان‏.‏
وتتكون التربة الأرضية في قطاعها العلوي أساسا من معادن الصلصال‏,‏ وحبات الرمل‏,‏ وأكاسيد الحديد‏,‏ وكربونات كل من الكالسيوم والمغنيسيوم‏,‏ وإن كانت أنواع التربة تتعدد تعددا هائلا بتعدد أنواع الصخور التي تنشأ عنها‏,‏ والظروف الطبيعية والكيميائية التي تتعرض لها‏,‏ وأنواع الكائنات الحية التي تزخر بها‏,‏ والتي تلعب أدوارا رئيسية في إعدادها‏.‏

وعلي الرغم من ذلك تبقي المعادن الصلصالية قاسما مشتركا في معظم أنواع تربة الأرض‏,‏ والمعادن الصلصالية لها شراهة شديدة للماء‏,‏ فإذا وصلها امتصته بسرعة فتميأت مما يؤدي إلي زيادة حجمها فتهتز وتربو إلي أعلي حتي ترق رقة شديدة‏,‏ فتنشق لتفسح طريقا آمنا لسويقة‏(‏ ريشة‏)‏ النبتة المنبثقة من داخل البذرة النابتة المدفونة في التربة‏,‏ ومن هنا كانت تلك الإشارة القرآنية المعجزة في هذه السورة المباركة التي جمعت بين صب الماء‏,‏ وشق الأرض‏,‏ والإنبات في تسلسل دقيق معجز يقول فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
أنا صببنا الماء صبا‏*‏ ثم شققنا الأرض شقا‏*‏ فأنبتنا فيها حبا‏*(‏ عبس‏:25‏ ـ‏27).‏

ومن أسباب اهتزاز التربة وارتفاعها حتي تنشق دقة حجم حبيبات المعادن الصلصالية‏(‏ أقل من‏0.004‏ من الملليمتر‏)‏ التي تتحول إلي الحالة الغروية بمجرد اختلاط الماء بها بكمية كافية‏,‏ وهي حالة تتدافع فيها جسيمات المادة بقوة وأقدار غير متساوية في جميع الاتجاهات‏,‏ وعلي كل المستويات في حركة دائبة تؤدي إلي اهتزاز التربة وانتفاخها وانتفاضها بشدة حتي تنشق‏,‏ وكلما زادت كمية الماء المختلط بالتربة زاد اهتزازها وارتفاعها وسارع ذلك في تشققها بإذن الله‏(‏ تعالي‏).‏
رابعا‏:‏ فأنبتنا فيها حبا‏*‏ وعنبا وقضبا‏*‏ وزيتونا ونخلا‏*‏ وحدائق غلبا‏*‏ وفاكهة وأبا‏*‏ متاعا لكم ولأنعامكم‏*:‏

هذا التسلسل المعجز في ست آيات قصار يكاد يشمل جميع النباتات التي تصلح طعاما ومتاعا لكل من الإنسان وأنعامه‏..‏
‏(1)‏ فالكلمة‏:(‏ حبا‏)‏ تشمل جميع أنواع الحبوب‏(‏ من ذوات الفلقة الواحدة‏)‏ من مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والشوفان‏,‏ والذرة‏,‏ والأرز‏,‏ وغيرها‏,‏ وتنطوي هذه النباتات في عائلة واحدة تعتبر من أكثر النباتات نجاحا لأنها تسود مساحات من اليابسة أكثر من أية نباتات أخري‏,‏ وتعرف هذه العائلة باسم عائلة النجيليات‏(‏ العائلة النجيلية‏)‏ وتشمل نحو سبعة آلاف نوع من أنواع النباتات‏,‏ وهي أهم عائلة نباتية بالنسبة لكل من الإنسان والحيوانات آكلة الأعشاب كالأنعام‏,‏ لأن جميع أنواع الحبوب اللازمة لحياة كل منهما تنطوي في هذه العائلة‏,‏ وقد أنبتها الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قبل خلق الإنسان بملايين السنين‏,‏ وأخذ الإنسان في زراعتها منذ أيام ما قبل التاريخ‏.‏

وبالإضافة إلي هذه المحاصيل المهمة من الحبوب تضم عائلة النجيليات محاصيل أخري مهمة من مثل قصب السكر‏,‏ وأعشاب المراعي‏,‏ ومنها الحولية والمعمرة‏,‏ كما تضم بعض النباتات الخشبية من مثل نبات الخيزران‏.‏
‏(2)‏ والتعبير القرآني‏:‏ وعنبا وقضبا أيضا تعبير معجز لأن‏(‏ العنب‏)‏ يشير إلي رتبة كاملة من نباتات الثمار المهمة هي رتبة العنابيات‏,‏ وتشمل عائلتين مهمتين هما‏:‏ عائلة العناب وتشمل‏(45)‏ جنسا‏,‏ و‏(550)‏ نوعا من أنواع النباتات واسعة الانتشار من مثل العناب‏,‏ والنبق‏,‏ وعائلة الأعناب‏,‏ وتشمل‏(11)‏ جنسا‏,‏ و‏(600)‏ نوع من أنواع العنب وهو واحد من أهم المحاصيل النباتية‏.‏

أما‏(‏ القضب‏)‏ و‏(‏القضبة‏)‏ فهو الرطب من ثمار النبات‏,‏ و‏(‏القضب‏)‏ أصلا هو القطع‏,‏ و‏(‏اقتضبه‏)‏ أي اقتطعه‏,‏ ولذا استعير‏(‏ القضب‏)‏ لما يقضب من النبات ليأكله الإنسان غضا طريا كالبقول التي تقطف ثمارها فينبت مكانها‏,‏ أو تقطف النبتة فينبت أصلها‏,‏ وفي ذلك إشارة إلي العائلة البقولية‏,‏ وهي ثاني أكبر عائلة نباتية بذرية يعتمد عليها كل من الإنسان وأنعامه في طعامه‏,‏ بعد العائلة النجيلية‏,‏ وهي عائلة نباتاتها منتشرة في جميع أنحاء العالم‏,‏ وتشمل نحو‏(600)‏ جنس‏,‏ و‏(12.000)‏ نوع من أنواع النباتات ذات الفلقتين وتشمل فيما تشمل‏:‏ الفول‏,‏ العدس‏,‏ الحمص‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ البازلاء‏,‏ فول الصويا‏,‏ الفول السوداني‏,‏ الترمس‏,‏ الحلبة‏,‏ الخروب‏,‏ التمر هندي‏,‏ وغيرها‏,‏ وكلها من ذات الثمار القرنية‏,‏ ولذلك تعرف أحيانا باسم العائلة القرنية‏.‏
كذلك تشمل هذه العائلة نبات البرسيم الحجازي الذي يعتبر علفا رئيسيا للحيوانات آكلة الأعشاب كالأنعام‏,‏ وغيرها من أعشاب المراعي والأعلاف‏,‏ ونباتات الزهور‏,‏ والنباتات الطبية‏.‏

‏(3)‏ والتعبير القرآني‏:‏ وزيتونا ونخلا‏:‏ يشير إلي عائلتين من أهم العائلات النباتية هما العائلة الزيتونية‏,‏ والعائلة النخيلية‏,‏ والأولي تشمل‏(22)‏ جنسا‏,‏ و‏(500)‏ نوع من أنواع الأشجار الزيتونية وهي أشجار معمرة‏,‏ فأشجار الزيتون تعيش لأكثر من ألفي سنة‏,‏ وهي شجرة مباركة كما وصفها القرآن الكريم ونعتتها أحاديث رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏ أما العائلة النخيلية فتشمل‏(200)‏ جنس‏,‏ وأكثر من أربعة آلاف نوع من أنواع النخيل‏,‏ والنخيل من أكثر النباتات احتمالا للجفاف والملوحة‏,‏ وتنمو في المناطق الحارة الجافة والمعتدلة‏,‏ وثمارها ومنتجاتها تعتبر من أهم المصادر النباتية التي اعتمد عليها الإنسان في حياته منذ وطئت قدماه هذه الأرض‏.‏
‏(4)‏ والتعبير القرآني‏:(‏ حدائق غلبا‏)‏ أي حدائق عظاما‏,‏ غليظة الأشجار ملتفة الأغصان‏,‏ لتشمل الغالبية الباقية من أنواع النباتات‏,‏ خاصة نباتات الظل‏,‏ والزينة‏,‏ والأخشاب‏,‏ كما تشمل الكثير من نباتات الثمار المختلفة التي لا تنضوي في المجموعات السابقة‏.‏

‏(5)‏ أما التعبير القرآني‏:‏ وفاكهة وأبا فيركز علي نباتات الفاكهة المختلفة التي لا تحتويها المجموعات السابقة من مثل العائلات التوتية‏(‏ وتشمل التين‏,‏ والجميز‏,‏ والتوت‏,‏ وغيرها‏),‏ والوردية‏(‏ وتشمل المشمش‏,‏ والخوخ‏,‏ والبرقوق‏,‏ والكريز‏,‏ واللوز في تحت العائلة المشمشية‏,‏ والتفاح‏,‏ والكمثري‏,‏ والبشملة‏,‏ والسفرجل في تحت العائلة التفاحية‏)‏ والسذبية‏(‏ عائلة الموالح‏)‏ وغيرها‏.‏
أما‏(‏ الأب‏)‏ فهو الكلأ والمرعي‏,‏ وما تأكله البهائم كالأنعام من العشب‏,‏ وغيره من أنواع النبات رطبا كان أو يابسا‏(‏ مثل التبن‏).‏

وهكذا نري في هذا التسلسل المعجز لخمس آيات قصار لا تشغل أكثر من سطرين استعراضا لأهم النباتات التي تشكل الطعام الرئيسي لكل من الإنسان وأنعامه‏,‏ ولذا ختمت بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):(‏ متاعا لكم ولأنعامكم‏).‏
وعلوم تقسيم الحياة بصفة عامة‏,‏ وعلم تقسيم النبات بصفة خاصة هي علوم مستحدثة في تاريخ الإنسان‏,‏ بدأت مع منتصف القرن الثامن عشر الميلادي‏,‏ ولم تتبلور إلا في أواخر القرن العشرين‏.‏ واستعراض الآيات التي نحن بصددها لأهم مجموعات النبات في طعام كل من الإنسان وأنعامه بهذه البساطة‏,‏ والدقة‏,‏ والشمول‏,‏ والإحاطة‏,‏ لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلي آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏..‏ والحمد لله رب العالمين‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية