قضايا و اراء

42273 ‏السنة 126-العدد 2002 سبتمبر 2 ‏24 من جمادى الآخرة 1423 هـ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(63)‏ والقمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم
بقلم: د.‏ زغـلول النجـار

ذه الآية الكريمة جاءت في نهاية النصف الأول من سورة يس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(83),‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن أسسها الإيمان بالله الخالق‏:‏ إلها واحدا لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ والإيمان بالقرآن الكريم‏,‏ آخر كتب الله‏,‏ والكتاب المنزل علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ والإيمان ببعثة هذا النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الذي ختمت ببعثته النبوات‏,‏ وتكاملت في رسالته كل رسالات السماء‏,‏ والإيمان بالبعث والنشور‏,‏ والحساب والخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏.‏
وقد سميت السورة بهذا الإسم لاستهلالها بالحرفين المقطعين‏(‏ يس‏),‏ والحروف المقطعة التي استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرأن الكريم‏,‏ والتي تضم نصف عدد أسماء حروف الهجاء الثمانية والعشرين تعتبر سرا من أسرار القرآن الكريم التي لم يتم أكتشافها بعد‏,‏ وإن بذلت محاولات عديدة في سبيل ذلك‏.‏

وقد تكون هذه الأحرف الهجائية المقطعة رموزا إلي كلمات‏,‏ أو معان‏,‏ أو أعداد معينة‏,‏ أو أسماء للسور التي وردت في أوائلها‏,‏ أو وسيلة قرع للأسماع والقلوب كي تنشط وتتنبه لتلقي القرآن الكريم‏,‏ أو أنها جعلت للدلالة علي صدق رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ من حيث نطقه بأسماء الحروف وهو أمي‏,‏ والأمي لا يعرف أسماء الحروف وإن نطق بأصواتها‏,‏ وقد تكون للتنبيه علي إعجاز القرأن الكريم الذي صاغه الله‏(‏ تعالي‏)‏ من جنس تلك الحروف الهجائية التي يتكلم بها العرب‏..‏ ويعجزون من الإتبان بشيء من مثله‏,‏ وقد تكون كل ذلك وغيره‏.‏
ويروي عن ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ قوله‏:‏ أن يس معناها ياأيها الإنسان في لهجة طيء‏,‏ وقيل إنها من أسماء رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بدليل توجيه الخطاب إليه في جواب القسم بالقرأن الحكيم وذلك بقول الحق‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏ إنك لمن المرسلين‏*‏ وقيل إن معناها‏:‏ ياسيد البشر‏,‏ والله‏(‏ تعالي‏)‏ أعلم‏.‏

وبعد هذا الاستهلال يقسم ربنا تبارك وتعالي ـ وهو الغني عن القسم ـ بالقرأن الحكيم‏(‏ أي المتضمن للحكمة والناطق بها‏,‏ والمحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ والمصون من الضياع والتحريف‏)‏ وهذا القسم بالقرآن الحكيم جاء تأكيدا علي صدق نبوة ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ التي حاول نفر من الكفار والمشركين التشكيك فيها قديما كما فعل كفار قريش وحديثا كما يفعل الذين لا يزالون يحاولون‏..!!‏ وأقسم الله‏(‏ تعالي‏)‏ بالقرأن الحكيم علي أن الإسلام العظيم هو صراطه المستقيم‏,‏ وهو دينه القويم الذي أوحي به إلي كل نبي وإلي كل رسول‏,‏ وأن القرأن الكريم هو تنزيل من الله العزيز الرحيم يحمله هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الي قومه الذين لم يسبق لآبائهم أن تلقوا مثل هذا الوحي فبقوا في غفلة عن الدين‏,‏ الذي جاء المصطفي لينذرهم به‏,‏ وينذر من بعدهم العالم بأسره‏,‏ وذلك لأن الغالبية العظمي من كفار قريش‏,‏ ومن بعدهم غالبية أهل الأرض اليوم هم من غير المؤمنين‏,‏ الذين تمادوا في الغي والضلال‏,‏ وفي تكذيب الرسالة الخاتمة فحق عليهم عذاب الله وانتقامه‏...!!‏ وتصف الآيات بعد ذلك جانبا من أحوال هؤلاء الكافرين المعرضين عن الحق‏,‏ وهم نمط للكفر في القديم والحديث واحد‏..!!‏

واستعرضت سورة يس عددا من الشواهد الكونية المبهرة الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ والناطقة بألوهية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وربوبيته ووحدانيته‏,‏ والمنذرة ـ في نفس الوقت ـ من عواقب التكذيب بالوحي الخاتم‏.‏ ومن أجل ذلك أوردت السورة الكريمة قصة أهل القرية التي كذبت رسل ربها‏,‏ وجحدت نصح الناصحين من أبنائها‏,‏ بعد أن بعث الله‏(‏ تعالي‏)‏ إليهم بثلاثة من رسله فكذبوهم‏,‏ وأوفد إليهم رجلا منهم ينصحهم بضرورة الإيمان الخالص بالله‏,‏ والتوحيد المطلق لجلاله فقتلوه‏,‏ وأدخله الله‏(‏ تعالي‏)‏ الجنة‏,‏ ولم يمهل قومه المجرمين فدمرهم من بعده تدميرا‏..!!‏
ومن الغريب أن الناس لايعتبرون بسير الأمم البائدة والتي أهلكها الله‏(‏ تعالي‏)‏ بكفرها‏,‏ وماأكثر القصص القرآني في ذلك‏..!!.‏

واستعرضت السورة الكريمة موقف المعرضين عن الهداية الربانية‏,‏ والمكذبين بالآخرة‏,‏ ووصفت جانبا من سلوكياتهم‏,‏ وصورا لنفسياتهم‏,‏ وطرائق تفكيرهم‏,‏ وعرضت لجوانب من ضلالهم وحيرتهم في الدنيا‏,‏ ولضياعهم وهلاكهم في الآخرة‏,‏ ومن مواقفهم يوم البعث الذي استعرضت جانبا من أهواله‏,‏ من مثل نفخة الصور الأولي التي تعرف باسم نفخة الفزع الأكبر‏,‏ والتي تصدر إعلانا عن نهاية الحياة الدنيا‏,‏ ثم تأتي نفخة الصعق التي يصعق بها كل من في الأرض فيموتون‏,‏ ثم تكون بعد ذلك نفخة البعث والنشور التي يخرج بها الناس مذهولين من القبور‏,‏ فيعلموا أن وعد الله حق‏..!!‏
وتمايز السورة الكريمة بين مصائر أهل الجنة ومصائر أهل النار في الآخرة‏,‏ فالضالون المكذبون الذين اتبعوا خطوات الشيطان ـ وهو عدو لهم ـ فأضلهم عن طريق الهداية الربانية الحقة خسروا في الدنيا والآخرة‏,‏ وهم في النار يصطلون‏,‏ وأصحاب الجنة في النعيم يرفلون‏.‏

وتؤكد سورة يس أن طول الأجل في الحياة الدنيا منتكس للإنسان من القوة إلي الضعف‏,‏ ومن الزيادة الي النقص مما يؤكد عجز الإنسان أمام قدرة خالقه‏,‏ وحتمية الضعف والموت عليه‏.‏
وتدافع الآيات عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ الذي اتهمه كفار قريش ـ زورا ـ بالشعر‏,‏ كي يدعموا إدعاءهم الباطل أن القرأن الكريم من نظمه هو‏...‏ فيرد ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ عليهم بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏
وماعلمناه الشعر وماينبغي له إن هو إلا ذكر وقرأن مبين‏*‏ لينذر من كان حيا ويحق القول علي الكافرين‏*(‏ يس‏:70,69)‏
وتثبت الآيات رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بخطاب من الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ إليه يقول فيه‏(‏ سبحانه‏):‏
فلا يحزنك قولهم إنا نعلم مايسرون ومايعلنون‏*(‏ يس‏:76)‏

وتنتهي سورة يس إلي تمجيد الله‏(‏ تعالي‏)‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ هذا الإله الخالق العظيم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وملكوت كل شيء‏,‏ والذي إليه وحده مرجع كل الخلائق للحساب والجزاء‏,‏ ولذلك ختمت بهذه الآية الجامعة التي تهتز لها القلوب والعقول والأبدان والتي تنطق بالحق الذي لا مراء فيه فتقول‏:‏
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون‏*(‏ يس‏:83)‏

والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة يس علي صدق ماجاء بها من عقائد وقصص وأحكام هي ايات كثيرة منها مايلي‏:‏
‏(1)‏ قدرة الله تعالي علي إحياء الموتي‏.‏

‏(2)‏ قدرته‏(‏ تعالي‏)‏ علي تدوين أعمال الخلق وآثارهم‏.‏

‏(3)‏ إحياء الأرض الميتة بإنزال المطر عليها وإنباتها بالنباتات المنتجة للحبوب‏,‏ وملئها بجنات من نخيل وأعناب‏,‏ وتفجير العيون من خلالها‏.‏

‏(4)‏ خلق كل شيء‏..‏ من زوجين‏.‏

‏(5)‏ سلخ النهار من الليل إشارة إلي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ والي رقة طبقة النهار‏,‏ والي حقيقة أن الظلمة هي الأصل في الكون‏,‏ وأن النور نعمة عارضة فيه‏.‏

‏(6)‏ جري الشمس لمستقر لها‏.‏

‏(7)‏ دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏,‏ متدرجا في مراحل متتالية حتي يعود هلالا كالعرجون القديم‏.‏

‏(8)‏ جري كل من الشمس والقمر والأرض وبقية أجرام السماء كل في فلكه المحدد له‏.‏

‏(9)‏ حمل الأفراد من ذرية آدم الذين نجوا من الطوفان مع نوح‏(‏ علي رسولنا وعليه من الله السلام‏)‏ في الفلك المشحون‏.‏

‏(10)‏ خلق وسائل الركوب الأخري‏.‏

‏(11)‏ شهادة الأيدي والأرجل علي أصحابها يوم القيامة‏.‏

‏(12)‏ خلق الأنعام وتذليلها للإنسان‏.‏

‏(13)‏ خلق الإنسان من نطفة‏.‏

‏(14)‏ أن الذي خلق قادر علي البعث‏,‏ لأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو العليم بكل خلق‏.‏

‏(15)‏ جعل الشجر الأخضر مصدرا للنار‏(‏ أي للطاقة‏)‏

‏(16)‏ أن خالق السماوات والأرض قادر علي أن يخلق مثلهم وهو الخلاق العليم‏.‏

‏(17)‏ أن من صفات الألوهية أن يقول الله‏(‏ تعالي‏)‏ للشيء‏:‏ كن فيكون‏.‏

‏(18)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأن كل شيء عائد إليه‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الي معالجة خاصة‏,‏ ولذا فسوف أقصر الحديث هنا علي النقطة السابعة فقط في القائمة السابقة ألا وهي نقطة دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏,‏ ومتدرجا في مراحل متتالية حتي يعود هلالا كالعرجون القديم والحكمة من هذه المنازل وهذا التشبيه وجوانب السبق العلمي في هذه الآية الكريمة‏,‏ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض أقوال عدد من المفسرين السابقين في شرحها‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسيرقوله‏(‏ تعالي‏):‏
والقمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم‏*(‏ يس‏:39)‏
‏*‏ ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:...‏ ثم قال جل وعلا‏:(‏ والقمر قدرناه منازل‏)‏ أي جعلناه يسير سيرا آخر‏,‏ يستدل به علي معني الشهور‏,‏ كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار‏,‏ كما قال‏(‏ عز وجل‏):(‏ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج‏).‏ وقال تعالي‏:(‏ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب‏)‏ الآية‏,‏ وقال تبارك وتعالي‏:(‏ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا‏),‏ فجعل الشمس لها ضوء يخصها‏,‏ والقمر له نور يخصه‏,‏ وفاوت بين سير هذه وهذا‏,‏ فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره علي ضوء واحد‏,‏ ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء‏,‏ يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل‏,‏ ثم يطول الليل ويقصر النهار‏,‏ وجعل سلطانها بالنهار‏....,‏ أما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور‏,‏ ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة‏,‏ ثم كلما ارتفع ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس‏,‏ حتي يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة‏,‏ ثم يشرع في النقص الي آخر الشهر‏,‏ حتي يصير‏(‏ كالعرجون القديم‏)‏ قال ابن عباس‏:‏ وهو أصل العذق‏,‏ وقال مجاهد‏(‏ العرجون القديم‏):'‏ أي العذق اليابس‏,‏ يعني أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحني‏,‏ ثم بعد هذا يبديه الله تعالي جديدا في أول الشهر الآخر‏.‏

‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:(‏ والقمر‏)‏ بالرفع والنصب‏,‏ وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده‏(‏ قدرناه‏)‏ من حيث سيره‏(‏ منازل‏)‏ ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر‏,‏ ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما‏,‏ وليلة إن كان تسعة وعشرين يوما‏(‏ حتي عاد‏)‏ في آخر منازله في رأي العين‏(‏ كالعرجون القديم‏)‏ كعود الشماريخ‏[‏ جمع شمراخ وهو عيدان عنقود النخيل الذي عليه الرطب‏]‏ إذا عتق‏,‏ فإنه يرق ويتقوس ويصفر‏.‏
‏*‏ وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم للاسلام والمسلمين‏)‏ ما نصه‏:...‏ والعباد يرون القمر في منازله تلك‏,‏ يولد هلالا‏,‏ ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتي يستدير بدرا‏,‏ ثم يأخذ في التناقص حتي يعود هلالا مقوسا كالعرجون القديم‏.‏ والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة‏.....‏

‏*‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبه رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:(‏ والقمر قدرناه منازل‏)‏ أي قدرنا سيره في منازل‏,‏ ينزل كل ليلة في منزل لا يتخطاه‏,‏ ولا يتقاصر عنه‏,‏ علي تقدير مستو من ليلة المستهل الي الثمانية والعشرين‏,‏ ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر تاما‏,‏ وليلة إن نقص يوما فإذا كان في آخر منازله رق وتقوس‏(‏ حتي عاد‏)‏ أي صار في رأي العين‏(‏ كالعرجون القديم‏)‏ أي العتيق اليابس‏,‏ وهو عود العذق ما بين الشماريخ الي منبته من النخلة‏,‏ والعذق‏:‏ القنو من النخل وهو كالعنقود من العنب‏,‏ والشماريخ‏:‏ جمع شمراخ وشمروخ‏,‏ وهو العيثكال الذي عليه البسر‏.‏ وسمي عرجونا من الانعراج وهو الانعطاف‏,‏ شبه القمر به في دقته وتقوسه واصفراره‏.‏
‏*‏ وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزي الله كاتبيه خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ والقمر جعلناه بتدبير منا منازل‏,‏ إذ يبدو أول الشهر ضئيلا‏,‏ ثم يزداد ليلة بعد ليلة‏,‏ الي أن يكتمل بدرا‏,‏ ثم يأخذ في النقصان كذلك‏,‏ حتي يعود في مرآه كأصل العنقود من الرطب إذا قدم فدق وانحني واصفر‏.‏

‏*‏ وذكر صاحب صفوة التفاسير‏(‏ جزاه الله خيرا‏)‏ مانصه‏:‏
‏(‏والقمر قدرناه منازل‏)‏ أي والقمر قدرنا مسيرة في منازل يسير فيها لمعرفة الشهور‏,‏ وهي ثمانية وعشرون منزلا في ثمان وعشرين ليلة ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتعداها‏,‏ فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس‏(‏ حتي عاد كالعرجون القديم‏)‏ أي حتي صار كغصن النخل اليابس‏,‏ وهو عنقود التمر حين يجف ويصفر ويتقوس‏....‏

القمر في القرآن الكريم
جاء ذكر القمر في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرة‏,‏ كما جاءت الإشارة الي مراحله المختلفة تحت مسمي الأهلة مرة واحدة‏,‏ ويكون مجموع ذلك ثمان وعشرين مرة وهي أيام رؤية القمر في كل شهر‏,‏ وعدد منازله اليومية‏,‏ ولا يمكن أن يأتي هذا التوافق الدقيق بمحض الصدفة لأن مثل هذه المقابلات في القرآن الكريم أكثر من أن تحصي‏,‏ وأنها لو خدمت خدمة إحصائية دقيقة لأصبحت من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم‏.‏

وهذه الآيات قمت بتصنيفها في مقال سابق‏,‏ إلي عدد من المجموعات التي يمكن إيجازها فيما يلي‏:‏
‏(1)‏ آيتان تصفان القمر في رؤيتين من رؤي اثنين من رسل الله‏,‏ إحداهما في حال اليقظة والأخري في المنام‏(‏ الأنعام‏:77,‏ يوسف‏:4)‏

‏(2)‏ آيتان تصفان الشمس والقمر مرة بأنهما حسبانا‏(‏ أي وسيلةلحساب الزمن‏)‏ والأخري بأنهما بحسبان‏(‏ أي يجريان بحساب دقيق مقرر معلوم‏)(‏ الأنعام‏:96,‏ الرحمن‏:5)‏

‏(3)‏ إحدي عشرة آية‏,‏ منها ما يتحدث عن خلق كل من الشمس والقمر‏,‏ وسجودهما لله تعالي‏,‏ وتسخيرهما بأمره ليكونا في خدمة خلق الله إلي أجل مسمي‏,‏ واعتبارهما آيتين من آيات الله‏,‏ ومنها ما ينهي عن السجود لهما‏,‏ ويأمر بالسجود لخالقهما وحده‏(‏ الأعراف‏:54,‏ الرعد‏:2,‏ إبراهيم‏:33,‏ النحل‏:12,‏ الأنبياء‏:33,‏ الحج‏:18,‏ العنكبوت‏:61,‏ لقمان‏:29,‏ فاطر‏:13,‏ الزمر‏,5,‏ فصلت‏:37)‏

‏(4)‏ آيتان تؤكدان طبيعة كل من الشمس والقمر‏,‏ وتفرقان بينهما بأن الشمس ضياء‏,‏ والقمر نور‏(‏ يونس‏:5,‏ نوح‏:16)‏

‏(5)‏ ثلاث آيات تتحدث عن منازل القمر وأطواره‏,‏ أو عن أحد تلك الأطوار‏(‏ البقرة‏189,‏ يس‏:39,‏ الإنشقاق‏:18)‏

‏(6)‏ آية واحدة تشير إلي دوران كل من الشمس والقمر والأرض في مدار محدد له‏(‏ يس‏:40)‏

‏(7)‏ آية واحدة تثبت معجزة انشقاق القمر لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)(‏ القمر‏:1)‏

‏(8)‏ آيتان يقسم في كل منهما ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بالقمر تعظيما لإبداع خلقه لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏(‏ المدثر‏:32,‏ الشمس‏:2)‏

‏(9)‏ آيتان تتحدثان عن نهاية القمر في يوم القيامة‏(‏ القيامة‏:9,8).‏

منازل القمر في القرآن الكريم
عرف الناس منذ القدم دورة القمر من المحاق إلي المحاق أو من الهلال إلي الهلال‏,‏ وأستخدموها في تحديد الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ ولاحظوا أن القمر في دورته تلك يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بين ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية‏,‏ وسموا كلا منها منزلا من منازل القمر‏,‏ وعرفوا أن عدد تلك المنازل ثمانية وعشرين بعدد الليالي التي يري فيها القمر‏.‏
ويشير القرآن الكريم إلي منازل القمر بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
والقمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم‏*(‏ يس‏39).‏

وقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون‏*(‏ يونس‏:5)‏

وقوله‏(‏ سبحانه‏):‏
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج‏...*(‏ البقرة‏:189)‏

منازل القمر في علم الفلك
يدور القمر حول الأرض في مدار شبه دائري يبلغ طوله حوالي‏2,4‏ مليون كيلو متر تقريبا‏,‏ ويبلغ متوسط نصف قطره‏384,400‏ كيلو متر‏,‏ وفي أثناء هذه الدورة يقع القمر علي خط واحد بين الأرض والشمس فيواجه الأرض بوجه مظلم تماما‏,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم مرحلة الاقتران‏,‏ ويعرف القمر فيها باسم المحاق‏,‏ وتستغرق هذه المرحلة ليلة إلي ليلتين تقريبا‏,‏ ثم يبدأ القمر في التحرك ليخرج من هذا الوضع الواصل بين مراكز تلك الأجرام الثلاث فيولد الهلال الذي يحدد بمولده بداية شهر قمري جديد‏,‏ ويقع هذا الهلال في أول منزل من منازل القمر‏,‏ ويمكن رؤيته بعد ساعات من ميلاده إذا أمكن مكثه لمدة لا تقل عن عشر دقائق بعد غروب الشمس‏,‏ وكان الجو علي درجة من الصفاء تسمح بذلك‏.‏
وبإستمرار تحرك القمر في دورته البطيئة حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل لكوكبنا بالتدريج حتي يصل إلي التربيع الأول في ليلة السابع من الشهر القمري‏,‏ ثم إلي الأحدب الأول في ليلة الحادي عشر‏,‏ ثم البدر الكامل في ليلة الرابع عشر‏,‏ وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة‏,‏ والقمر من الجهة الأخري علي استقامة واحدة‏.‏

وبخروج القمر عن هذه الاستقامة مع كل من الأرض والشمس تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض في التناقص بالتدريج فيتحول إلي مرحلة الأحدب الثاني في حدود ليلة الثامن عشر‏,‏ ثم إلي التربيع الثاني في ليلة الثالث والعشرين‏,‏ ثم إلي الهلال الثاني في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري‏,‏ ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتي يصل إلي مرحلة المحاق في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلي وضع الاقتران بين الأرض والشمس من جديد‏.‏
ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي‏12‏ درجة من درجات دائرة البروج‏[360‏ درجة علي‏29,5‏ يوم‏=12,2‏ درجة‏]‏ فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج‏,‏ وهذه المنازل ثمانية وعشرون منزلا بعدد الليالي التي يري فيها القمر‏,‏ وتعرف باسم منازل القمر‏.‏

ولما كان القمر في جريه السنوي مع الأرض حول الشمس يمر عبر البروج السماوية الإثني عشر التي تمر بها الأرض في كل سنة من عمرها‏,‏ والتي تحدد بواسطتها شهور السنة الشمسية‏,‏ فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج‏.‏
ونتيجة لميل مستوي مدار القمر حول الأرض علي مستوي مدار الأرض حول الشمس بمقدار‏(5‏ درجات‏,8‏ دقائق‏)‏ فإن المسار الظاهري لكل من الشمس والقمر علي صفحة السماء من نقطة شروق كل منهما إلي نقطة غروبه يبدو متقاربا بصفة عامة‏,‏ وإن تبع القمر الشمس في أغلب الأحوال‏.‏

وبصرف النظر عن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق أمام الشمس‏,‏ ودوران القمر حول الأرض في نفس الإتجاه فإن كلا من الشمس والقمر يظهران في الأفق مرتفعين من جهة الشرق‏,‏ وغائبين في جهة الغرب‏,‏ وإن كان أغلب ظهور القمر هو بالليل لصعوبة رؤيته في وضح النهار‏.‏
والقمر يسير في اتجاه الشرق بمعدل نصف درجة تقريبا في المتوسط في كل ساعة‏(360‏ درجة‏/29,5‏ يوم من أيام الشهر القمري‏=12,3‏ درجة‏).\(12,2‏ درجة‏/24‏ ساعة في اليوم‏=0,51‏ درجة في الساعة‏),‏ بينما تقطع الشمس درجة واحدة في اليوم تقريبا‏:‏

‏(‏مجموع زوايا دائرة البروج‏=360‏ درجة علي‏365,25‏ يوم‏(‏ من أيام السنة الشمسية‏)=0,99‏ ـ درجة‏/‏ يوم تقريبا‏).‏ من أن القمر يبقي في سباق دائم مع الشمس‏,‏ إلا أنه يتأخر كل يوم في غروبه من‏40‏ إلي‏50‏ دقيقة عن اليوم السابق‏,‏ تبعا لإختلاف كل من خطوط الطول والعرض‏.‏
فالهلال الجديد يولد ويري في الأفق الغربي بعد غروب الشمس بقليل‏,‏ ويأخذ ظهور القمر في التأخر عن غروب الشمس فيري في طور التربيع الأول في وسط السماء‏,‏ ويتأخر ظهوره لفترة أطول بعد الغروب في مرحلة الأحدب الأول‏,‏ ويري وهو أقرب إلي الأفق الشرقي‏,‏ وفي مرحلة البدر يتفق ظهور القمر في الأفق الشرقي مع غياب الشمس في الأفق الغربي لوجودهما علي استقامة واحدة مع الأرض‏,‏ وبعد الخروج عن هذه الاستقامة يأخذ القمر في التباطؤ في الظهور يوما بعد يوم بمعدل خمسين دقيقة في المتوسط حتي يصل مجموع التأخير في ظهوره إلي حوالي خمس ساعات بعد غروب الشمس وذلك في طور التربيع الثاني‏,‏ ويستمر التباطؤ في ظهور القمر حتي يري الهلال الثاني في وضح النهار‏,‏ وفي طور المحاق الذي لا يري فيه القمر من فوق سطح الأرض‏(‏ لوقوعه بينها وبين الشمس‏)‏ يغيب القمر مع مغيب الشمس تماما لوجودهما علي استقامة واحدة‏.‏

وبمجرد خروج القمر من مرحلة المحاق ورؤية الهلال الوليد بعد غروب الشمس يولد شهر قمري جديد مع بدء إشراق الشمس علي جزء من وجه القمر المقابل للأرض‏,‏ والذي كان يعمه ليل القمر في وقت الاقتران‏.‏ ويتفاوت زمن اقتران النيرين‏(‏ الشمس والقمر‏)‏ بسبب أن كلا من مدار القمر حول الأرض ومدار كل من الأرض والقمر حول الشمس ليس تام الاستدارة بل علي شكل بيضاني‏(‏ أي علي هيئة قطع ناقص‏),‏ ومن قوانين الحركة في مدار القطع الناقص أن السرعة المحيطية تخضع لقانون يسمي باسم قانون تكافؤ المساحات مع الزمن‏,‏ وهذا القانون يقتضي اختلاف مقدار السرعة علي طول المحيط‏,‏ فعندما يقترب القمر من الأرض تزيد سرعته المحيطية فتزداد بالتالي القوة الطاردة‏(‏ النابذة‏)‏ المركزيةبينهما للحيلولة دون ارتطام القمر بالأرض وتدميرهما معا‏,‏ وعلي العكس من ذلك فإنه عند ابتعاد القمر في مداره البيضاني عن الأرض فإن سرعته المحيطية تتناقص وإلا انفلت من عقال جاذبية الأرض إلي نهاية لا يعلمها إلا الله‏.‏
وتتراوح سرعة دوران القمر في مداره بين‏3888‏ كيلو مترا في الساعة‏,3483‏ كيلو مترا في الساعة‏(‏ بمتوسط‏3675‏ كيلو مترا في الساعة‏).‏ كذلك تتفاوت سرعة سبح الأرض في فلكها حول الشمس بين‏29,274‏ كيلو متر في الثانية‏,30,274‏ كيلو متر في الثانية‏.‏ وبجمع الفرق بين أعلي وأقل سرعتين لكل من القمر في مداره‏,‏ والأرض في مدارها اتضح أنه يقابل الفرق في أطوال الأشهر القمرية بين‏(27,3215)‏ يوما في مدة الدورة النجمية للقمر‏,(29,5306)‏ يوما في دورته الاقترانية‏.‏ والدورة النجمية للقمر حول الأرض تحسب باعتبار أن الأرض ثابتة لا تتحرك حتي يتم القمر دورته الكاملة حولها‏,‏ والدورة الاقترانية للقمر تأخذ في الحسبان دوران الأرض حول محورها مع دوران القمر حول محوره‏.‏

من أوجه الاعجاز العلمي في الآية الكريمة
‏*‏ نظرا للارتباط الشديد بين مراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلي التربيع الأول إلي الأحدب الأول‏,‏ إلي البدر‏,‏ ثم الأحدب الثاني‏,‏ ثم الهلال الثاني‏,‏ ثم المحاق‏,‏ إلي الهلال الوليد للشهر القمري الجديد‏,‏ وبين منازل القمر الثمانية والعشرين وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلي نجوم تبدو مواقعها قريبة ظاهريا فإن التعبير منازل القمر يمكن إطلاقه علي مراحل القمر المتتالية وعلي منازله المتوافقة مع تلك المراحل‏(‏ أي مواقعه المتتالية في السماء‏)‏ باعتبار المنازل جمع‏(‏ منزل‏)‏ وهو المنهل والدار‏.‏
‏*‏ والقمر يبدأ ميلاده بهلال دقيق‏,‏ ثم يتدرج في النمو حتي يصبح بدرا كاملا‏,‏ ثم يعاود التناقص في الحجم حتي يصير كالعرجون القديم‏,‏ ثم يختفي لمدة يوم أو يومين في مرحلة المحاق‏,‏ وتتكرر هذه الدورة في كل شهر قمري حتي يرث الله الأرض ومن عليها‏.‏

‏*‏ وضوء الشمس يغمر نصف القمر باستمرار فينعكس من فوق سطحه المظلم نورا ينير ظلمه ليل الأرض‏,‏ وكل مايستطيع أهل الأرض إدراكه من هذا النور يختلف من يوم إلي يوم تبعا لموضع كل من الأرض والقمر والشمس في صفحة السماء‏.‏
والجزء المرئي من نور القمر قبل اكتماله بدرا يعرف باسم‏(‏ قوس النور‏),‏ أما البدر الكامل فيعرف باسم‏(‏ دائرة النور‏),‏ ونظرا لترنح القمر في دورانه حول محوره‏,‏ ولضخامة حجم الشمس بالنسبة إلي حجم القمر فإن ضوء الشمس ينير أكثر من نصف سطح القمر بقليل‏,‏ ولذلك فإنه يمكن أن يري خيط رفيع من النور يحيط بالقمر عند ميلاد الهلال‏.‏

‏*‏ والدائرة التي يراها سكان الأرض من القمر تعرف باسم دائرة الرؤية‏,‏ والمساحة التي يمكن لهم رؤيتها من القمر‏(‏ قوس النور‏)‏ هو نتيجة العلاقة الوضعية بين كل من دائرة النور ودائرة الرؤية‏,‏ وهما يتطابقان في كل من مرحلة البدر والمحاق‏,‏ ويتعامدان في كل من التربيع الأول والأخير‏,‏ وبين هذين الموضعين يتحرك القمر عبر مراحل وسطية من الأحدب إلي الهلال‏.‏
‏*‏ وتقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة علي طلاقة القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن‏,‏ وتقديره‏,‏ وحسابه باليوم والأسبوع والشهر والسنة‏,‏ وفي التأريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق‏,‏ ولما فيه من تأكيد علي ضبط سرعة القمر ضبطا دقيقا من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه‏,‏ أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلي نهاية لا يعلمها إلا الله‏,‏ وفي نفس الوقت الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره‏,‏ فإذا زادت إحداهما قلت الأخري بنفس المعدل‏.‏ ولما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها في تناقص مستمر بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمن‏,‏ فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريبا مما يؤدي إلي تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاثة سنتيمترات في كل سنة‏,‏ وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من إسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقا للنبوءة القرآنية التي يقول فيها الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
فإذا برق البصر‏*‏ وخسف القمر‏*‏ وجمع الشمس والقمر‏*(‏ القيامة‏:7‏ ـ‏9)‏

ومن هنا كانت هذه الاشارة القرآنية المعجزة إلي وصف مراحل القمر المتتالية في كل شهر والتي يقول فيها ربنا‏(‏ سبحانه وتعالي‏:‏ والقمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم‏*(‏ يس‏:39)‏
ويضاف إلي هذه المعجزات القرآنية التي لا تنتهي أبدا‏,‏ وصف المرحلة الأخيرة من مرالح الدورة الشهرية للقمر بالعرجون القديم‏.‏ وهو العنقود من الرطب‏(‏ العذق‏)‏ إذا يبس وانحني‏,‏ وأصفر لونه وهو عند يبوسه علي النخلة ينحني تجاهها فكذلك الهلال الثاني ينحني بطرفيه تجاه الأرض‏,‏ بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيدا عنها‏..‏ فما أروع هذا التشبيه القرآني‏..!‏

هذه الحقائق عن القمر لم يدركها العلم الكسبي إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء وعشرات القرون‏,‏ وورودها في آية واحدة من كتاب الله الذي أنزل علي نبي أمي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ ومن قبل ألف وأربعمائة سنة مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه فحفظ بنفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏):‏ حفظ حفظا كاملا‏,‏ حرفا حرفا‏,‏ وكلمة كلمة‏,‏ وآية آية‏,‏ وسورة سورة‏,‏ كما هو مرتب في بلايين النسخ المطبوعة والمستنسخة علي الشرائط الممغنطة وعلي غيرها من وسائط التسجيل‏,‏ والمنقول نقلا متواترا عبر أربعة عشر قرنا‏,‏ والمحفوظ في بلايين الصدور بنفس ترتيب المصحف الشريف‏,‏ فظل محتفظا بجلال الربوبية والألوهية الذي يتراءي بين آياته‏,‏ وباشراقاته النورانية‏,‏ وصدق حديثه في كل قضية من قضاياه‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الاسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والصلاة والسلام علي النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ وعلي آله وصحبه‏,‏ وعلي كل من تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية