قضايا و اراء

42259 ‏السنة 126-العدد 2002 اغسطس 19 ‏10 من جمادى الآخرة 1423 هـ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(61)‏ والليـــل إذا يغشـــــاها
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار

هذه هي الآية الرابعة في سورة الشمس‏,‏ وهي السورة التي استهلها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بالقسم بالشمس وبأربع من صفاتها المميزة فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏
والشمس وضحاها‏*‏ والقمر إذا تلاها‏*‏ والنهار إذا جلاها‏*‏ والليل إذا يغشاها‏*‏
‏(‏ الشمس‏:1‏ ـ‏4)‏

وسورة الشمس سورة مكية يدور محورها حول ضرورة تزكية النفس الإنسانية بالتعرف علي خالقها ورازقها ومدبر أمرها‏,‏ والخضوع له‏(‏ تعالي‏)‏ وحده بالعبادة الخالصة‏,(‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏),‏ وبالطاعة لأوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ والاجتهاد في عمارة الأرض‏,‏ وإرساء القواعد الأساسية لإقامة عدل الله فيها‏,‏ وهذا هو مفتاح الفلاح في الدنيا‏,‏ والنجاة في الآخرة‏,‏ لأن الإنسان إذا لم يجتهد في تزكية نفسه بهذا المنهج الرباني‏,‏ أغواه الشيطان باتباع الهوي‏,‏ والإغراق في إشباع الشهوات‏,‏ والانصراف عن معرفة الله‏,‏ وعن فهم حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة فيضل ويشقي كما يشقي غيره‏,‏ ويظل كذلك حتي يدركه الموت ولم يحقق شيئا من رسالته في هذه الحياة الدنيا‏,‏ فخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين‏.‏
فالإنسان مخلوق ذو إرادة حرة يختار بها طريقه في هذه الحياة إما إلي الخير أو إلي الشر‏,‏ وعلي أساس من هذا الاختيار يكون نجاحه أو فشله في الدنيا‏,‏ ونجاته أو هلاكه في الآخرة‏,‏ ومن طبائع النفس الإنسانية ومن استعداداتها الفطرية قبولها للخير أو للشر بإرادة مطلقة‏,‏ واختيار حر‏,‏ يعقبهما حساب عادل دقيق‏,‏ ولذلك يستمر القسم في سورة الشمس بأربع آيات أخر من آيات الله في الآفاق والأنفس علي صدق هذه الحقيقة فيقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
والسماء ومابناها‏*‏ والأرض وماطحاها‏*‏ ونفس وماسواها‏*‏ فألهمهـا فجـورها وتقواها‏*‏
‏(‏ الشمس‏:5:8)‏

ثم يأتي جواب هذا القسم المغلظ بتسع من آيات الله واضحا وضوح الشمس في رائعة النهار يقول فيه الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏
قد أفلح من زكاها‏*‏ وقد خاب من دساها‏*(‏ الشمس‏:10,9)‏
وهاتان الآيتان الكريمتان تلخصان رسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏(‏ تعالي‏)‏ يعبده بما أمر‏,‏ ويحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ ترجمة دقيقة لما أمر به ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من الإيمان الصادق والعمل الصالح‏,‏ ولا يمكن أن يتحقق ذلك للإنسان إلا بالتعرف علي دين الله من مصادر ربانية خالصة لم يداخلها أدني قدر من العبث الإنساني‏,‏ والتقول علي الله بالتحريف والتبديل والتغيير في الدين الذي أنزله لعباده‏,‏ ولا يتوفر ذلك لإنسان اليوم إلا في القرآن الكريم وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وقد تعهد الله‏(‏ تعالي‏)‏ بحفظهما فحفظا في صفائهما الرباني‏,‏ وإشراقاتهما النورانية في الوقت الذي تعرضت فيه كل صور الوحي السابقة إما للضياع التام أو للتحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني وجعلها عاجزة عن هداية البشرية‏.‏

وبعد تعرف الإنسان علي هذا الحق الرباني عليه أن يلزم نفسه بأوامر الله‏,‏ وأن يجنبها نواهيه في عملية مستمرة من التزكية لهذه النفس الإنسانية ومحاسبتها أولا بأول‏,‏ حتي يصل صاحبها إلي تحقيق مرضاة الله فيفلح في الدنيا‏,‏ وينجو من أهوال الآخرة‏,‏ لأنه إذا لم يفعل ذلك فإنه سوف يترك نفسه علي هواها و‏...‏ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي‏..*‏ فيغرق في بحور من ضلال الكفر أو الشك أو الشرك‏.‏ أو الفساد والنفاق وسوء الأخلاق‏,‏ والإنحراف عن منهج الله في الحياة‏,‏ فيخيب ويشقي ويشقي غيره في الدنيا ويخسر ويهلك في الآخرة وهذا هو الخسران المبين‏..‏
وللتحذير من هذا المصير الوخيم تشير سورة الشمس إلي قصة ثمود قوم نبي الله صالح‏(‏ علي نبينا الكريم وعليه وعلي انبياء الله أجمعين من الله تعالي أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏),‏ وقد بغوا وطغوا في الأرض وعصوا أمر ربهم‏,‏ وكذبوا رسول الله إليهم‏,‏ وعقروا الناقة التي جعلها الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لهم آية ومعجزة واختبارا فشلوا فيه‏,‏ فحق عليهم عقاب الله ونكاله‏,‏ وفي ذلك جاءت الآيات في ختام السورة الكريمة بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

كذبت ثمود بطغواها‏*‏ إذ انبعث أشقاها‏*‏ فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها‏*‏ فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها‏*‏ ولا يخاف عقباها‏*‏
‏(‏ الشمس‏:11‏ ـ‏15)‏

فالله تعالي لا يخشي عقبي قرار يتخذه لأنه أولا وقبل كل شيء هو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ وهو تعالي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏...*,‏ ثم إن قراره‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هو العدل المطلق الذي لا يخالطه أدني قدر من الجور أو الظلم‏,‏ ولذلك ختمت سورة الشمس بالقرار الإلهي‏:‏
ولا يخاف عقباها‏*.‏

وفي مقالات سابقة عرضنا لجوانب من الإعجاز العلمي في الآيات الثلاث الأولي من سورة الشمس‏,‏ ونعرض هنا لشيء من تلك الجوانب في الآية الرابعة التي نحن بصددها‏,‏ وقبل الدخول إلي ذلك لابد من التعرض للدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة ولأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرح معانيها‏.‏

الدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة
‏(‏الليل‏)‏ واحد‏,‏ بمعني جمع‏,‏ وواحدته‏(‏ ليلة‏)‏ وقد جمع علي‏(‏ ليال‏)‏ فزادوا فيها الياء لتصبح‏(‏ ليالي‏)‏ علي غير قياس كما فعلوا في أهل وأهال فصيروها أهالي‏,‏ كما يجمع‏(‏ ليل‏)‏ علي‏(‏ ليائل‏)‏ و‏(‏ ليلة‏)‏ علي‏(‏ ليلات‏)‏ ويقال‏:(‏ ليل‏)‏ و‏(‏ ليلة ليلاء وأصلها ليلاة‏)‏ للتعبير عن شدة الظلمة‏,‏ كما يقال‏:(‏ ليل لائل‏)‏ للتأكيد علي شدة ظلمته‏,‏ ويقال‏:‏ عامله‏(‏ ملايلة‏)‏ أي بالليلة مثل قولهم مياومة أي باليوم‏.‏
‏(‏غشي‏)(‏ غشاوة‏)‏ و‏(‏ غشاء‏)‏ و‏(‏ غشيانا‏)‏ و‏(‏تغشية‏)‏ بمعني غطي وستر‏.‏ لأن‏(‏ الغشاء‏)‏ هو الغطاء الرقيق وكذلك‏(‏ الغشوة‏)‏ والجمع‏(‏ غواش‏).‏ يقال‏:(‏ غشيه‏)‏ و‏(‏ تغشاه‏)‏ و‏(‏ غشيته‏)‏ كذا أي‏:‏ غطيته به‏,‏ و‏(‏أغشاه‏)‏ إياه غيره‏,‏ ويقال‏:(‏ استغشي‏)‏ بثوبه و‏(‏ تغشي‏)‏ به أي تغطي به‏,‏ كما يقال‏:(‏ غشيه‏)(‏ غشيانا‏)‏ بمعني جاءه يقال‏:(‏ غشيت‏)‏ موضع كذا أي اتيته‏,‏ و‏(‏غشيه‏)‏ بالسوط بمعني ضربه به‏,‏ و‏(‏الغاشية‏)‏ هي القيامة لأنها تغشي الخلائق بأفزاعها‏,‏ و‏(‏ الغاشية‏)‏ أيضا هي‏(‏ غاشية‏)‏ السرج أي غطاؤه‏,‏ ويقال‏:(‏ غشي‏)‏ عليه‏(‏ غشية‏)‏ و‏(‏ غشيا‏)‏ و‏(‏ غشيانا‏)‏ فهو‏(‏ مغشي‏)‏ عليه أي غائب عنه وعيه‏,‏ أي حجب عنه عقله وإدراكه‏.‏

الليل في القرآن الكريم
ورد ذكر‏(‏ الليل‏)‏ في القرآن الكريم في اثنين وتسعين‏(92)‏ موضعا‏,‏ منها ثلاثة وسبعون‏(73)‏ بلفظ‏(‏ الليل‏),‏ وثمانية‏(8)‏ بلفظ‏(‏ ليلة‏),‏ وخمسة‏(5)‏ بلفظ‏(‏ ليلا‏),‏ وثلاثة‏(3)‏ بلفظ‏(‏ ليال‏),‏ ومرة واحدة بكل من الألفاظ الثلاثة‏(3)(‏ ليل‏),‏ و‏(‏ ليلها‏),‏ و‏(‏ ليالي‏).‏
وفي أغلب هذه المواضع يمن علينا ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بتبادل الليل والنهار‏,‏ لما في ذلك من استقامة للحياة علي الأرض‏,‏ وعون للإنسان علي تحديد الزمن‏,‏ وتاريخ الأحداث المتتابعة‏,‏ لأنه بدون ذلك التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير يتلاشي إحساس الإنسان بمرور الزمن‏,‏ وتتوقف قدرته علي متابعة الأحداث والتاريخ لها‏.‏ فالليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق تشهدان علي دقة بناء الكون‏,‏ وانتظام حركة الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وعلي حكمة ميل هذا المحور من أجل تبادل الفصول المناخية علي الأرض في ظل تبادل الليل والنهار بانتظام دقيق‏,‏ وإحكام بالغ‏.‏

والتبادل المنتظم بين الليل المظلم والنهار المنير علي نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة لاستقامة الحياة علي سطحها‏,‏ فبهذا التبادل يتم التحكم في كل من درجات الحرارة‏,‏ والرطوبة‏,‏ وكميات الضوء اللازمة لمختلف الأنشطة الحياتية من مثل التنفس والنتح‏,‏ والتمثيل الضوئي‏,‏ والأيض وغيرها‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلي نشاط الغدة الصنوبرية في إنتاج أحد الهورمونات الهامة لحياة الإنسان ألا وهو هورمون‏(‏ الميلاتونين‏)‏ بالليل‏,‏ وتوقفها عن ذلك بالنهار‏,‏ وهذا الهورمون يلعب دورا هاما في المحافظة علي جسد الإنسان لأنه من مضادات الأكسدة‏
(ANTI-OXIDANTS)‏
فيقلل من فرص التعرض لأمراض القلب والشرايين بالتقليل من فرص تجلط الدم‏,‏ ويعمل علي المحافظة علي الخلايا العصبية وخلايا الدماغ‏,‏ كما يعمل علي تقوية جهاز المناعة بالجسم‏,‏ ويؤخر ظهور آثار الشيخوخة عليه‏,‏ ويبدو أن التعرض لطاقة الشمس بالنهار يزيد من قدرة الغدة الصنوبرية علي إفراز هورمون‏(‏ السيروتونين‏)‏ بالنهار وعلي إفراز الميلاتونين بالليل‏,‏ بينما تعرض الإنسان بالليل للأضواء الاصطناعية لا يساعد علي إنتاج السيروتونين ويثبط من قدرة هذه الغدة علي إفراز الميلاتونين الذي تتناقص معدلات إنتاجه بزيادة شدة الضوء الذي يتعرض له الإنسان‏,‏ وتزيد تلك المعدلات كلما اشتد الظلام‏.‏

ومن بديع صنع الله في جسم الإنسان أنه بمجرد أن تلتقط عيناه شعاع النور في النهار ترسل رسالة إلي الساعة الحياتية في جسده عن طريق جهازه العصبي فيتوقف إنتاج الميلاتونين‏,‏ ويبدأ الجسد في إنتاج غيره من الهورمونات‏(‏ مثل هورمون النهار المعروف بأسم السيروتونين‏),‏ وتنعكس هذه العملية مباشرة بمجرد غياب الشمس‏,‏ ومن هنا يتضح جانب من الجوانب الكثيرة لأهمية تعاقب الليل والنهار‏,‏ والتي لا يمكن حصرها في هذا المقال‏.‏
كذلك فإنه بهذا التعاقب يتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ وضبط دورة الماء بين الأرض والسماء‏,‏ وتنظيم حركة كل من الرياح‏,‏ والسحب‏,‏ وتوزيع المناخ‏,‏ ونزول الأمطار بإذن الله وحسب مشيئته‏.‏

وبذلك أيضا يتم تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين كل من التربة الصالحة للإنبات‏,‏ والصخور الرسوبية ومابها من مختلف الثروات الطبيعية‏,‏ وغير ذلك من العمليات والظواهر الأرضية التي بدونها لم يكن ممكنا للأرض أن تكون صالحة لاستقبال الحياة‏.‏
وفي مقدمة تلك العمليات توزيع مايصيب الأرض من الطاقة الشمسية‏,‏ أثناء النهار علي كافة أرجاء هذا الكوكب بالنسبة لعمران كل منها‏,‏ وتوفير القدر الكافي من الظلمة لاستكمال أسباب الراحة والهدوء والسكينة أثناء الليل‏,‏ وهي من ضرورات استمرارية الحياة لكل من الإنسان والحيوان والنبات‏.‏

من أجل ذلك كله‏,‏ ومن أجل تنبيهنا إلي عظيم أهميته‏,‏ وإلي عميق دلالته علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة لهذا الكون أقسم ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ وهو الغني عن القسم بالليل والنهار‏,‏ وبتبادلهما‏,‏ وتعاقبهما‏,‏ واختلافهما‏,‏ وإيلاج كل منهما في الآخر‏,‏ وإدبار أحدهما لاستقبال الآخر‏,‏ وجعل كل منهما خلفة للآخر‏,‏ وتقليبه علي الآخر‏,‏ وإغشاء أحدهما بالآخر‏,‏ وطلب أحدهما للآخر‏,‏ وكلها إشارات ضمنية رقيقة إلي كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وسبحها في مدارها حول هذا النجم العظيم‏,‏ وعلي رقة طبقة النهار بالنسبة إلي الظلمة الشاملة للجزء المدرك من الكون وكلها من الحقائق التي لم يدركها الإنسان إدراكا كاملا إلا بإنتهاء القرن العشرين‏,‏ ولايزال نفر كثير من بني الإنسان لا يعرف شيئا عنها أو ينكرها إذا سمع بها‏...!!,‏ وهذا السبق القرآني بهذه الحقائق الكونية وبالعديد من غيرها لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله ليكون هداية للبشرية منذ نزوله وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏.‏
ولذلك يمن علينا ربنا تبارك وتعالي‏(‏ وهو صاحب الفضل والمنة‏)‏ بتبادل الليل والنهار في عدد كبير من آيات القرآن الكريم نختار منها قوله‏(‏ عز من قائل‏):‏

إن في إختلاف الليل والنهار وماخلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون‏*‏
‏(‏ يونس‏:6)‏
وقوله سبحانه وتعالي‏:‏ يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار‏*‏
‏(‏ النور‏:44)‏

وقوله‏(‏ تبارك اسمه‏):‏ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا‏*(‏ الفرقان‏:62)‏
وقوله‏(‏ سبحانه‏):‏ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون‏*‏ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون‏*‏ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‏*‏
‏(‏ القصص‏:71‏ ـ‏73)‏

وآيات القرآن الكريم تفرق في وضوح تام بين ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد رحلات الفضاء‏.‏ فحينما يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):...‏ يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل‏...*‏
‏(‏ الزمر‏:5)‏
أو يقول‏(‏ عز من قائل‏):‏
ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون‏*‏
‏(‏ الروم‏:23)‏

والآيات الأخري الكثيرة التي تتعلق بالأرض وحركاتها أو أهلها فإن المقصود بالليل فيها هو ليل الأرض‏,‏ ولكن في سورة النازعات تأتي الإشارة الي ليل آخر هو ليل السماء الذي يصفه الحق‏(‏ سبحانه‏)‏ بقوله‏:‏ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها‏*‏ رفع سمكها فسواها‏*‏ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها‏*‏
‏(‏ النازعات‏:27‏ ـ‏29)‏
وضمير الغائب في كلمة‏(‏ ليلها‏)‏ الواردة في الآية رقم‏(29)‏ من سورة النازعات عائد علي السماء حقا‏,‏ وأغطش ليلها أي أظلمه‏(‏ من الغطش وهو العمش‏,‏ أو التعامي عن الشيء‏,‏ ولذلك يقال‏:‏ فلاة غطشي أي لا يهتدي فيها‏,‏ وأستعير ذلك للظلمة التي لا يهتدي فيها لشيء‏).‏

ومعني الآية الكريمة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد جعل السماء حالكة السواد من شدة إظلامها‏,‏ فهي في ليل دائم سواء اتصل ليلها بليل الأرض‏(‏ في نصف الكرة الأرضية التي يعمها الليل‏)‏ أو انفصل ليل السماء عن الأرض بطبقة النهار في نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ وهي طبقة لا يتعدي سمكها مائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏,‏ فإذا قيست بالمسافة المتوسطة بين الأرض والشمس والمقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر‏,‏ أو بنصف قطر الجزء المدرك من الكون والمقدر بأكثرة من عشرة بلايين من السنين الضوئية إتضح مدي رقة طبقة نور النهار علي نصف الأرض المواجه للشمس إذا قورن بظلمة الكون أو بما سماه القرآن الكريم باسم ليل السماء‏.‏
كذلك فإننا نجد في لفظة‏(‏ ضحاها‏)‏ الواردة في نفس الآية الكريمة رقم‏(29)‏ من سورة النازعات والتي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):..‏ وأخرج ضحاها أن ضمير الغائب يعود علي السماء‏,‏ ويصبح ضحي الأرض هو ضحي السماء‏,‏ وهو النطاق السفلي من الغلاف الغازي للأرض الي ارتفاع مائتي كيلو متر من مستوي سطح البحر المحيط بنصف الكرة الأرضية المواجه للشمس والذي ينعكس فيه ضوء الشمس ويتشتت علي ملايين الجسيمات الصلبة والسائلة والغازية في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض من مثل هباءات الغبار وقطيرات الماء وبخاره وجزيئات النيتروجين والأوكسجين وثاني أكسيد الكربون وغيرها فتتحول موجات الطاقة القادمة من الشمس الي هذا النور الأبيض المبهج ومايصاحبه من دفء في نهار الأرض‏,‏ فتدركه أحاسيس المشاهدين من أهلها‏.‏

والضحي في الأصل هو انبساط الشمس في الجزء الشرقي من سماء الأرض وامتداد النهار إلي الظهيرة‏,‏ ثم سمي به الوقت المعروف باسم صدر النهار‏,‏ حين ترتفع الشمس‏(‏ في حركتها الظاهرية الناتجة عن دوران الأرض حول محورها‏),‏ ويظهر نور النهار جليا للعيان في نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ بينما يبقي معظم الكون غارقا في ليل السماء الذي يلتقي بليل الأرض في نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏,‏ وكذلك الحال بالنسبة لكواكب السماء التي لها غلاف غازي مقارب إلي الغلاف الغازي للأرض‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏ والليل إذا يغشاها‏*‏
‏*‏ ذكر ابن كثير‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ مانصه‏:...‏ وقالوا في قوله تعالي‏:(‏ والليل إذا يغشاها‏)‏ يعني إذ يغشي الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق‏...‏
‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ مانصه‏:(‏ والليل إذا يغشاها‏)‏ يغطيها بظلمته‏,‏ و‏(‏ إذا‏)‏ في الثلاثة لمجرد الظرفية‏(‏ فلا تفيد الشرطية‏),‏ والعامل فيها فعل القسم‏(‏ المقدر‏:‏ أقسم‏).‏

‏*‏ وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ماقدم‏)‏ مانصه‏:...‏ والتغشية هي مقابل التجلية‏.‏ والليل غشاء يضم كل شيء ويخفيه‏,‏ وهو مشهد له في النفس وقع‏,‏ وله في حياة الإنسان أثر كالنهار سواء‏.‏
‏*‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ علي صاحبه من الله الرحمات‏)‏ مانصه‏:‏
‏...‏ أي يغشي الشمس فيغطي ضوءها‏,‏ أو يغشي الدنيا بظلمته‏.‏

‏*‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزاهم الله جميعا خير الجزاء علي ماقدموا‏)‏ مانصه‏:‏ وبالليل إذا يغشي الشمس‏,‏ فيغطي ضوءها‏.‏
‏*‏ وجاء في صفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبها خيرا‏)‏ مانصه‏:‏

‏...‏ أي وأقسم بالليل إذا غطي الكون بظلامه‏,‏ ولفه بشبحه‏,‏ فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها‏,‏ والليل يغطيها ويسترها‏...‏

الدلالة العلمية للآية الكريمة
السياق القرآني الكريم في مطلع سورة الشمس واضح الدلالة علي أن ضمير الغائب في الآيات الأربع الأولي من هذه السورة المباركة يعود علي الشمس‏,‏ وكان هذا واضحا للمفسرين السابقين من الناحية اللغوية دون أدني شك‏,‏ ولكن صعوبة فهم كيفية تجلية النهار للشمس‏,‏ وكيفية غشيان الليل لها دفع بعدد من المفسرين إلي نسبة ضمير الغائب في الآيتين الثالثة والرابعة إلي الأرض أو إلي السماء أو إلي الكون‏,‏ وذلك لأن الناس منذ الأزل يؤمنون بأن الشمس هي التي تجلي النهار‏,‏ ولم يكن أحد من الخلق يتصور إمكانية أن يكون النهار هو الذي يجلي الشمس‏...!!‏ ولكن بعد ريادة الفضاء اتضح للعلماء ان طبقة النهار التي تحيط بنصف الكرة الأرضية المواجه للشمس هي طبقة رقيقة جدا لا يتعدي سمكها المائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وإذا قورن هذا السمك بطول المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس والمقدرة بحوالي المائة والخمسين مليون كيلو متر في المتوسط اتضحت لنا الرقة الشديدة لطبقة النهار الأرضي وتحركها باستمرار مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وجريا معها في مدارها حول هذا النجم‏...!!‏ كذلك إذا قورن سمك طبقة النهار الأرضي بنصف قطر الجزء المدرك لنا من الكون‏(‏ والمقدر بأكثر من عشرة بلايين من السنين الضوئية‏)‏ زاد إحساسنا بضآلة سمك طبقة النهار ـ علي أهميتها البالغة ـ‏,‏ وثبت لنا أن الأصل في الجزء المدرك لنا في الكون هو الإظلام التام بالنسبة للإنسان‏,‏ ومعني ذلك أن ضوء الشمس لا يري بواسطة الإنسان إلا في طبقة النهار الأرضي الرقيقة حيث يتم إنعكاس وتشتت هذا الضوء علي ملايين الهباءات من الغبار‏,‏ وقطيرات الماء وبخاره‏,‏ وجزيئات النيتروجين والأوكسجين وثاني أكسيد الكربون وغيرها من مكونات هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏.‏

ولما كانت هذه المكونات تتضاءل كما وكثافة حتي تكاد تتلاشي‏,‏ وذلك بالارتفاع في الغلاف الغازي للأرض لأكثر من مائتي كيلو متر‏,‏ فإن الشمس تري بعد هذا الارتفاع علي هيئة قرص أزرق في صفحة سوداء وبذلك ثبت لنا أن الأصل في الكون هو الإظلام‏,‏ وأن نور النهار هو نعمة من الله الخالق من بها علي عباده وخلقه من أهل الأرض‏,‏ وأن فترة النهار علي الأرض وهي فترة المواجهة مع الشمس هي التي تجلي لنا الشمس بما تحدثه من تردد انعكاس ضوء الشمس وتشتيته علي مابها من بلايين الجسيمات الصلبة والسائلة والغازية في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ولولا ذلك ماكان نور النهار‏,‏ وماأمكن للإنسان أن يري الشمس التي لا يجليها لنا بأمر ربها إلا طبقة النهار من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وهذه حقائق لم يمكن إدراكها إلا بعد رحلات الفضاء التي ابتدأت منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة عام علي نبي أمي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ وفي زمن لم يكن لأحد من الخلق إدراك ولو طفيفا لتلك الحقيقة لمما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏

ولكون الإظلام هو الأمر السائد في السماء‏,‏ فقد وصفه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ باسم ليل السماء تمييزا له عن ليل الأرض فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها‏*‏ رفع سمكها فسواها‏*‏ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها‏*‏
‏(‏ النازعات‏:27‏ ـ‏29)‏

وضمير الغائب في كل من اللفظين‏(‏ ليلها‏)‏ و‏(‏ضحاها‏)‏ عائد علي السماء كما أسلفنا‏,‏ وعلي ذلك فالسماء في ليل دائم‏,‏ وهو ليل مختلف عن ليل الأرض وإن إتصلا علي نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏,‏ وينفصل ليل السماء عن نهار الأرض بطبقة نور النهار الرقيقة التي تعتبر في بدء تكونها ضحي للأرض‏,‏ وهي في نفس الوقت ضحي للسماء‏.‏ ولذلك قال ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في سورة النازعات وأغطش ليلها وأخرج ضحاها‏*‏
وقال في سورة الشمس‏:‏ والليل إذا يغشـاها‏*‏

والليل في الآيتين هو ليل السماء لأنه هو الذي يغشي الشمس ويظلم السماء‏,‏ أما ليل الأرض فلا علاقة له بإغشاء الشمس لأنه يمثل ظل نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ وإن اتصل بظلمة السماء‏.‏ فليل الأرض هو الفترة الزمنية من الإظلام التي تعتري نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏,‏ وهو إظلام مؤقت متحرك مع حركة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ أما ليل السماء فهو إظلام دائم يبدو فيه موقع الشمس قرصا باهت الزرقة في صفحة سوداء حالكة السواد‏,‏ وكذلك تبدو مواقع النجوم علي هيئة نقاط متباعدة باهتة الزرقة في صفحة سوداء‏,‏ والسبب في ذلك هو التناقص الشديد في كثافة المادة بين الكواكب وفيما بينها وبين الشمس والمادة بيننا وبين الشمس عبارة عن خليط من الغازات الخفيفة من مثل غاز الإيدروجين المتأين‏(‏ علي هيئة بروتون موجب وإليكترون سالب منفصلين عن بعضهما‏)‏ وكذلك نوي بعض ذرات الهيليوم وبعض الجسيمات الصلبة من الغبار المتناهي الدقة‏,‏ وتقدر كثافة المادة بين الأرض والشمس بحوالي جزء من مائة ألف مليون مليون جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب‏(10‏ ـ‏23‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏ الي مائة ضعف ذلك أي جزء من ألف مليون مليون مليون جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب‏(10‏ ـ‏21‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏ علي الرغم من وجود كمية ضئيلة من الهباءات الترابية المتناهية الدقة‏.‏

من هنا يغشي ليل السماء الشمس كما يغشي ليل الأرض ويلتحم به‏,‏ ومن هنا كانت هذه الإشارة المعجزة في سورة الشمس والتي يقسم فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ ـ وهو الغني عن القسم بالليل إذ يغشي الشمس‏,‏ وهو هنا ليل السماء لأن ليل الأرض أبعد من أن يطول الشمس وإن التحم مع ليل السماء‏.‏
هذه الحقائق لم تتوصل إليها العلوم المكتسبة إلا بعد ريادة الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين‏,‏ وورودها في القرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة والإحاطة التي تؤكد ظلمة الكون في عدد غير قليل من الآيات‏,‏ كما تؤكد رقة طبقة النهار‏,‏ ووضوح الشمس فيه‏,‏ وتمايز بين كل من ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وتؤكد أن الذي يغشي الشمس هو ليل السماء‏,‏ وأن الذي يجليها هو نهار الأرض‏,‏ وتساوي بين ضحي الأرض وضحي السماء‏,‏ وتجعل منهما شيئا واحدا‏,‏ وتجمع بين ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وتجعل منهما شيئا متواصلا كل ذلك آيات بينات لكل ذي بصيرة علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فسبحان الذي أنزل القرآن‏..‏ أنزله بعلمه‏,‏ علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وسبحان الذي حفظه علي مدي هذه القرون الأربعة عشر بنفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها‏,‏ وأبقي لنا فيه من جوانب الإعجاز الذي لا يحصي ولا يعد مايمكنه من محاجة أهل كل عصر‏,‏ وأن يخاطبهم بما برعوا فيه ويقيم الحجة عليهم مهما اتسعت دوائر معارفهم‏,‏ وتشعبت تخصصاتهم‏.‏

فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والصلاة والسلام تامان أكملان علي خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تلقي هذا الوحي الكريم فبلغ الرسالة وأدي الأمانة‏,‏ ونصح البشرية‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتي أتاه اليقين‏,‏ فنسأل الله‏(‏ تعالي‏)‏ أن يجزيه خير ماجزي به نبيا عن أمته‏,‏ ورسولا علي حسن تبليغ رسالته اللهم آمين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية