قضايا و اراء

42147 ‏السنة 126-العدد 2002 ابريل 29 ‏16 من صفر 1423هــ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(45)‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏..*‏
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار

هذا النص القرآني القاطع جاء في مطلع الربع الثاني من سورة الأعراف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏206,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود ذكر الاعراف فيها‏,‏ وهي أسوار مضروبة بين الجنة والنار تحول بين كل من أهليهما‏,‏ تكريما لأهل الجنة‏,‏ وإذلالا لأهل النار‏...!!‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة علي التوحيد الخالص لله وحده‏(‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏),‏ والعبودية الكاملة من كافة الخلق لله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وهي العقيدة التي علمها ربنا‏(‏ تبارك اسمه‏)‏ لأبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ منذ اللحظة الأولي لخلقه‏,‏ وأنزلها علي سلسلة من أنبيائه ورسله‏,‏ وأتمها وأكملها وحفظها في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏).‏
وتبدأ سورة الأعراف بأربعة حروف من الفواتح الهجائية‏(‏ المص‏),‏ وهذه الحروف المقطعة من أسرار القرآن الكريم التي حاول عدد من العلماء الاجتهاد في فهم دلالاتها‏,‏ وتوقف العدد الأكبر منهم عن الخوض في تفسيرها‏,‏ واكتفوا بتفويض الأمر فيها إلي الله‏(‏ تعالي‏).‏

بعد ذلك مباشرة خاطبت السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بألا يضيق صدرا بتكذيب قومه له وللقرآن الكريم الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ إليه‏,‏ ونادت علي الناس جميعا بضرورة اتباع هذه الرسالة الخاتمة التي أنزلت إليهم من ربهم‏,‏ وحذرتهم من الشرك بالله‏,‏ ومن أنهم قليلا ما يتعظون‏,‏ وأردفت بذكر مصارع المكذبين من الأمم السابقة‏,‏ الذين رفضوا هدي ربهم‏,‏ وحاربوا أنبياءه ورسله‏,‏ كما ذكرت الآيات بعد ذلك بموقف الحساب يوم القيامة وبمصائر كل من المفلحين والظالمين فيه‏,‏ وأشارت إلي فضل الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي العباد بتمكينهم في الأرض تمكينا يستوجب الشكر والحمد‏....!!‏
ثم أخذت السورة الكريمة في استعراض قصة البشرية ممثلة في خلق الأسرة الأولي من آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ وزوجته حواء‏(‏ رضي الله عنها وأرضاها‏)‏ وتكريمهما وصراعهما مع الشيطان الرجيم منذ اللحظة الأولي لوجودهما في الجنة‏,‏ وقد ابتليا وذراريهما بقدر من الاختبار والابتلاء بمحاولة الشيطان وذراريه غوايتهم عن منهج الله‏,‏ تلك الغواية التي أخرجت آدم وزوجه من الجنة‏,‏ وأدت إلي الهبوط بهما إلي الأرض لتبدأ رحلة الحياة والموت‏,‏ ومن بعدها البعث والنشور‏,‏ ويحذر الله‏(‏ تعالي‏)‏ عباده من فتنة الشيطان وجنوده وأعوانه‏,‏ ويوصيهم بعدد من الوصايا‏,‏ ويحل لهم الطيبات‏,‏ ويحرم عليهم الفواحش ما ظهر منها‏,‏ وما بطن‏,‏ والإثم والبغي بغير الحق‏,‏ ومن أخطرها‏:‏ الشرك بالله‏,‏ والتقول عليه‏(‏ سبحانه‏)‏ بغير علم‏,‏ وافتراء الكذب عليه‏,‏ والتكذيب بآياته‏,‏ والكفر به‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ وغير ذلك من الاعتقادات الفاسدة‏,‏ والسلوكيات الهابطة التي تودي بصاحبها إلي جهنم وبئس المصير‏...!!‏

وتعرض الآيات في هذه السورة الكريمة لشيء من أحوال كل من أهل الجنة وأهل النار‏,‏ وأهل الأعراف بينهما‏,‏ كما تعرض لشيء من أفضال الله علي عباده وما أكثرها‏,‏ وتأمر الناس بالاتجاه إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ دوما بالدعاء وبالضراعة سرا بخشوع وخضوع تامين خوفا من عذابه وطمعا في رحمته‏,‏ لأنه لا يحب المعتدين المتشدقين برفع الصوت في الدعاء تظاهرا ورياء‏,‏ وتأمرهم بألا يفسدوا في الأرض بالكفر والشرك والمعاصي والإفساد بعد إصلاحها ببعثة الانبياء والمرسلين‏,‏ ودعوتهم الناس إلي عبادة الله علي التوحيد الخالص‏,‏ وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏...!!‏
ومن قبيل التثبيت لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ عرضت السورة الكريمة لقصص عدد من المرسلين‏,‏ ولتفاعل أقوامهم معهم‏,‏ ولشيء من جزائهم بدءا بنوح‏,‏ ثم هود‏,‏ وصالح‏,‏ ولوط‏,‏ وشعيب‏,‏ وموسي‏(‏علي نبينا وعليهم أجمعين من الله تعالي أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏),‏ وتعرض الآيات لمصارع المكذبين في كل قصة من قصص تلك الأمم‏,‏ مؤكدة علي وحدة الرسالة السماوية‏,‏ ومفصلة قصة موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ مع فرعون وملئه‏,‏ وعارضة أخذ الله لآل فرعون بالسنين والآفات‏,‏ ثم إغراق فرعون ونفر من ملئه‏,‏ وأشارت السورة الكريمة إلي انحراف بني إسرائيل وعبادتهم العجل في غيبة من موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ في أثناء ميقاته مع ربه كما أشارت إلي طلب رؤية الله‏,‏ ودك الجبل وصعق موسي‏,‏ وتنزيل الألواح عليه‏,‏ وأشارت إلي الميقات الثاني مع سبعين من قوم موسي‏,‏ وصعقهم حين قالوا‏:‏ لن نؤمن لك حتي نري الله جهرة‏,‏ ثم عصيانهم في دخول القرية‏,‏ وإصرارهم علي الصيد في يوم السبت‏,‏ وهو محرم عليهم‏,‏ ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة‏,‏ ومسخ الظالمين منهم قردة وخنازير‏,‏ وبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلي يوم القيامة‏,‏ وتشريدهم في الأرض عقابا لهم علي تحريفهم كلام الله‏..!!‏

وتتابع سورة الأعراف في سياقها الإشارة إلي الرسالة الخاتمة‏,‏ وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ رادا علي موسي في ضراعته إلي الله ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏
‏...‏ قال عذابي أصيب به من أشاء‏,‏ ورحمتي وسعت كل شيء‏,‏ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون‏*‏ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم‏,‏ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه اولئك هم المفلحون‏*‏
‏(‏ الأعراف‏:157,56)‏

وفي نور هذه البشري الإلهية بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ والتي سبقت مجيئه بمئات السنين‏,‏ تأمره الآيات في سورة الأعراف بالإعلان عن حقيقة رسالته‏,‏ وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون‏*‏
‏(‏الأعراف‏:158).‏

وتذكر السورة الكريمة العهد الذي أخذه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي الخلق اجمعين وهم في عالم الذر في أصلاب آبائهم وأشهدهم أنه لا إله إلا الله‏,‏ وأنه لا رب ولا معبود سواه‏,‏ ثم تعرض للذين آتاهم الله آياته ثم انسلخوا منها‏,‏ فأصبحوا من الغاوين‏,‏ واصبحوا نهبا للشياطين‏,‏ وأخلدوا إلي الأرض اتباعا للهوي‏,‏ وأصبح الفرد منهم كالكلب‏..‏ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون‏*.‏
‏(‏الأعراف‏:176)‏

وتأمر السورة الكريمة المؤمنين بالمداومة علي ذكر الله بأسمائه الحسني وصفاته العليا‏,‏ وتؤكد دور الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بأنه نذير مبين وبشير للمؤمنين‏,‏ وتشير إلي ملكوت السماوات والأرض‏,‏ وإلي خلق الله بصفة عامة‏,‏ وتحذر من اقتراب الأجل ودنو الآخرة‏,‏ التي لا يعلم وقتها إلا الله‏,‏ لأنها لا تأتيهم إلا بغتة كما قرر ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏),‏ ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏,‏ وتحدد السورة الكريمة دور الرسول الخاتم بالإنذار والبشارة‏,‏ والتحذير من مخاطر الشرك بالله وعواقبه‏.‏
وكما بدأت السورة بخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ تختتم بالخطاب إليه‏,‏ وإلي أمته المؤمنة إلي يوم الدين بالحض علي مكارم الأخلاق‏,‏ والأخذ بضوابط السلوك‏,‏ والاستماع بإنصات إلي القرآن الكريم حين يقرأ طلبا لعفو الله ورحمته‏,‏ والأمر بذكر الله في النفس تضرعا وخيفة‏,‏ ودون الجهر من القول بالغدو والآصال‏,‏ والتحذير من الغفلة عن ذلك‏,‏ والتذكير بأن الملائكة تسبح بحمد الله وتسجد له‏(‏ تعالي‏)‏ دون توقف ودون فتور‏...!!‏
ومن الحقائق الكونية والتاريخية التي استشهدت بها سورة الأعراف للدلالة علي صدق ما جاء بها ما يلي‏:‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض في ست مراحل متتالية‏.‏
‏(2)‏ إغشاء الليل بالنهار في سرعة عالية عند بدء الخلق بمعني سرعة دوران الأرض حول محورها عند أول خلقها‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏.‏

‏(3)‏ تسخير كل من الشمس والقمر والنجوم بأمر الله لحفظ السماء الدنيا‏,‏ ولمصلحة الأرض ومن عليها‏.‏
‏(4)‏ إرسال الرياح بشرا بين يدي رحمة الله لتقل السحاب الثقال بقطيرات الماء‏,‏ وتسوقه بإرادة الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي بلد ميت‏,‏ فينزل الله به الماء ثم يخرج بهذا الماء من كل الثمرات‏,‏ ويضرب الله تعالي المثل بإخراج النبات من الأرض بعد إنزال ماء المطر‏,‏ بإخراج الموتي بعد إنزال مطر خاص فينبت كل كائن حي من عجب ذنبه مثلما تنبت البقلة من حبتها‏,‏ كما جاء في وصف رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في عدد من أحاديثه الشريفة‏.‏

‏(5)‏ انفجار اثنتي عشرة عينا من الماء إلي الشرق من خليج السويس بضرب موسي الحجر بعصاه كما أخبر القرآن الكريم‏,‏ والمنطقة تعرف اليوم باسم عيون موسي‏.‏
‏(6)‏ إخبار القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يسلط علي اليهود من يسومهم سوء العذاب إلي يوم القيامة‏,‏ وقد تحقق ذلك بالفعل وندعو الله تعالي لهم بالمزيد من العذاب في الدنيا قبل الآخرة‏(‏ اللهم آمين آمين آمين‏)‏ فقد فجروا في الزمن الحاضر وبالغوا في فجورهم إلي الحد الذي يفوق كل تصور بدعم من الأمريكان المتجبرين‏,‏والذين سيقلبهم الله عليهم ثم يعاقبهم أجمعين عقابا يفوق كل وصف‏,‏ وكل خيال إن شاء الله رب العالمين‏.‏

‏(7)‏ التنبؤ بأن اليهود الكافرين سوف يحرفون دينهم‏,‏ ويتقولون علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بغير الحق‏,‏ وسوف يسعون في الأرض فسادا‏(‏ والله لا يحب المفسدين‏),‏ وأن الله تعالي سوف يشردهم ويقطعهم في الأرض أمما‏,‏ وقد تحقق ذلك‏,‏ وندعوه تعالي بالمزيد من تشريدهم وتقطيعهم جزاء إفسادهم في الأرض‏,‏ واستعلائهم الكاذب علي الخلق في أيامنا الراهنة‏.‏
‏(8)‏ إثبات حقيقة وجود للإنسان في عالم الذر‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا بعد اكتشاف قوانين الوراثة‏.‏
‏(9)‏ عظمة ملكوت السماوات والأرض‏.‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي مجلدات في شرحها ولذلك سوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الرابعة وهي إرسال الرياح‏,‏ وقبل الخوض في ذلك أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح الآية التي نحن بصددها‏,‏ وهي الآية رقم‏(57)‏ من سورة الأعراف‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون‏*.‏
‏(‏الأعراف‏:57)‏

ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ لما ذكر تعالي أنه خالق السماوات والأرض‏,‏ وأنه المتصرف الحاكم‏,‏ المدبر المسخر‏,‏ وأرشد إلي دعائه لأنه علي ما يشاء قدير‏,‏ نبه تعالي علي أنه الرزاق‏,‏ وأنه يعيد الموتي يوم القيامة فقال‏:(‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرا‏)‏ أي مبشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر‏,‏ ومنهم من قرأ بشرا‏,‏ لقوله‏:(‏ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات‏),‏ وقوله‏:(‏ بين يدي رحمته‏)‏ أي بين يدي المطر‏,‏ كما قال‏:(‏ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد‏),‏ وقال‏:‏ فانظر إلي آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتي‏,‏ وهو علي كل شئ قدير‏,‏ وقوله‏:(‏ حتي إذا أقلت سحابا ثقالا‏)‏ أي حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة‏....,‏ وقوله تعالي‏:(‏ سقناه لبلد ميت‏)‏ أي إلي أرض ميتة مجدبة لانبات فيها‏,‏ كقوله‏:(‏ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها‏)‏ الآية‏,‏ ولهذا قال‏:(‏ فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي‏)‏ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها‏,‏ كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة‏...,‏ وهذا المعني كثير في القرآن‏,‏ يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها‏,‏ ولهذا قال‏:(‏ لعلكم تذكرون‏).‏
وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:‏

إنها آثار الربوبية في الكون‏,‏ آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير‏,‏ وكلها من صنع الله‏,‏ الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه‏,‏ وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد‏.‏
وفي كل لحظة تهب ريح‏,‏ وفي كل وقت تحمل الريح سحابا‏,‏ وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء‏,‏ ولكن ربط هذا كله بفعل الله ــ كما هو في الحقيقة ــ هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة كأن العين تراه‏.‏

انه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته‏,‏ والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون‏..‏ وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس الله في الكون أيضا‏,‏ ولكنه يقع بقدر خاص‏,‏ ثم يسوق الله السحاب ــ بقدر خاص منه ــ إلي‏(‏ بلد ميت‏)..‏ صحراء أو جدبا‏..‏ فينزل منه الماء ــ بقدر كذلك خاص ــ فيخرج من كل الثمرات ــ بقدر منه خاص ــ يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة‏.‏
إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون‏..‏ كما ينفي الجبرية الآلية‏,‏ التي تتصور الكون كأنه آلة‏,‏ فرغ صانعها منها‏,‏ وأودعها القوانين التي تتحرك بها‏,‏ ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين‏...!‏

إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر‏,‏ ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية‏,‏ ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس‏,‏ ولكل مرة تتحقق فيها السنة‏,‏ القدر الذي ينشئ الحركة ويحقق السنة‏,‏ وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة‏.‏ إنه تصور حي‏,‏ ينفي عن القلب البلادة‏,‏ بلادة الآلية والجبرية‏,‏ ويدعها ابدا في يقظة وفي رقابة‏..‏ كلما حدث حدث وفق سنة الله‏,‏ وكلما تمت حركة وفق ناموس الله‏,‏ انتفض هذا القلب‏,‏ يري قدر الله المنفذ‏,‏ ويري يد الله الفاعلة‏,‏ فيسبح الله ويذكره ويراقبه‏,‏ ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه‏!.‏
هذا تصور يستحيي القلوب‏,‏ ويستجيش العقول‏,‏ ويعلقها جميعا بفاعلية الخالق المتجددة‏,‏ وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة‏,‏ وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار‏.‏

كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة الله وقدره في هذه الأرض‏,‏ وبين النشأة الآخرة‏,‏ التي تتحقق كذلك بمشيئة الله وقدره‏,‏ علي المنهج الذي يراه الاحياء في نشأة هذه الحياة‏:(‏ كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون‏)....‏
إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة‏,‏ من وراء أشكالها وصورها وملابساتها‏..‏ هذا ما يوحي به هذا التعقيب‏...‏ وكما يخرج الله الحياة من الموت في هذه الأرض‏,‏ فكذلك يخرج الحياة من الموتي في نهاية المطاف‏...‏ إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة‏,‏ وأشكالها في هذه الأرض‏,‏ هي المشيئة التي ترد الحياة في الاموات‏,‏ وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا‏,‏ لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتي مرة أخري‏....(‏ لعلكم تذكرون‏)‏ فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة‏,‏ ويغرقون في الضلالات والأوهام‏!.‏

وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ علي كاتبه من الله الرضوان‏)‏ ما نصه‏:(‏ بشرا‏)‏ بضم فسكون الشين‏,‏ مخفف‏(‏ بشرا‏)‏ بضمتين جمع بشير‏,‏ كنذر ونذر‏,‏ أي مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق‏,(‏ أقلت سحابا ثقالا‏)‏ بما فيه من الماء‏,‏ وحقيقة اقله‏:‏ وجده قليلا ثم استعمل بمعني حمله‏,‏ لأن الحامل يستقل ما يحمله بزعم أن ما يرفعه قليل‏,‏ و‏(‏سحابا‏)‏ اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء‏,‏ روعي معناه في قوله‏:(‏ ثقالا‏)‏ ولفظه في قوله‏:(‏ سقناه‏)‏ و‏(‏ثقالا‏)‏ جمع ثقيلة من الثقل ــ كعنب ــ ضد الخفة ــ قال‏:‏ ثقل ــ ككرم ــ ثقلا وثقالة‏,‏ فهو ثقيل وهي ثقيلة‏,(‏ لبلد ميت‏)‏ مجدب لا ماء فيه ولا نبات‏,(‏ كذلك نخرج الموتي‏)‏ أي كما احيينا الأرض بعد موتها بإحداث القوي النامية فيها‏,‏ وإنزال الماء عليها‏,‏ وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتي من الأرض ونبعثهم أحياء في اليوم الآخر‏.‏
وذكر بقية المفسرين كلاما مشابها لا أري ضرورة لإعادته هنا‏.‏

إرسال الرياح في القرآن الكريم
جاء ذكر الريح بالإفراد والجمع في‏29‏ موضعا من القرآن الكريم‏,‏ منها‏19‏ مرة بالإفراد وعشر مرات بالجمع‏,‏ والريح هو الهواء المتحرك‏,‏ واغلب المواضع التي ذكر الله تعالي فيها ارسال الريح بلفظ الواحد كانت متعلقة بالعذاب‏,‏ واغلب المواضع التي جاء فيها ذكر الرياح بصيغة الجمع هي متعلقة بالرحمة‏,‏ وإن كانت هناك بعض الاستثناءات‏,‏ وذلك من مثل قوله تعالي‏:‏
‏1‏ ــ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتي إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان‏...‏
‏(‏يونس‏:22).‏

‏2‏ ــ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلي الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين‏*‏
‏(‏الأنبياء‏:81)‏

‏3‏ ــ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر‏...*(‏ سبأ‏:12)‏
‏4‏ ــ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب‏*(‏ ص‏:36).‏

‏5‏ ــ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام‏*‏ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد علي ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور‏*(‏ الشوري‏:32:33).‏
‏6‏ ــ‏...‏ وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات لقوم يعقلون‏(‏ البقرة‏:164).‏

‏7‏ ــ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏..*(‏ الأعراف‏:57)‏
‏8‏ ــ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين‏*.‏
‏(‏الحجر‏:22).‏

‏9‏ ــ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله‏...*(‏ الروم‏:48)‏
وتصف الآيات القرآنية حركة الرياح دوما بالتصريف والارسال‏,‏ وذلك لأنها حركة منتظمة السلوك‏,‏ ومحكمة التوزيع بدقة فائقة حول الكرة الأرضية علي الرغم من ظاهرها الذي يصفها بالهياج‏,‏ وعلي الرغم من تعدد وتشابك القوي المحركة‏,‏ لها‏,‏ فذلك كله لا يخرجها عن كونها جندا من جند الله يرسلها بالرحمة والعذاب كيفما يشاء‏.‏

إرسال الرياح في منظور العلوم المكتسبة
تعرف الرياح بأنها أجزاء من الغلاف الغازي للأرض تتحرك حركة مستقلة عن الأرض ــ علي الرغم من ارتباطها بها ــ في عدد من الاتجاهات المختلفة‏,‏ التي يمكن إدراكها إلي أرتفاع يصل إلي‏65‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏.‏
والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏,‏ وتقدر كتلته بنحو الستة آلاف مليون مليون طن‏(6120*1210‏ طن‏),‏ ويقع اغلب هذه الكتلة‏(99%‏ من كتلة الغلاف الغازي للأرض‏)‏ دون ارتفاع‏50‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر أي دون مستوي نطاق الركود الطبقي‏
The Stratopause
‏ وعلي ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز اساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وأعلي سرعة للرياح تقع فوق نطاق الرجع مباشرة‏,‏ والذي يتراوح سمكه بين ستة عشر‏(16)‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ وعشرة كيلو مترات فوق القطبين‏,‏ وبين سبعة‏(7)‏ وثمانية‏(8)‏ كيلو مترات فوق خطوط العرض الوسطي‏,‏ ولذلك فإن الرياح حينما تتحرك من خط الاستواء في اتجاه القطبين فإنها تهبط فوق هذا المنحني الوسطي‏,‏ فتزداد سرعتها‏,‏ هذا بالإضافة إلي أن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يجبر كتل الهواء علي التحرك في اتجاه الشرق بسرعات فائقة تعرف باسم التيارات النفاثة
The Jet Streams
وتنخفض درجة الحرارة في نطاق التغيرات الجوية‏(‏ نطاق الرجع‏)‏ باستمرار مع الارتفاع حتي تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته فوق خط الاستواء‏,‏ وذلك للتباعد عن مصدر الدفء‏,‏ وهو سطح الأرض الذي يمتص‏47%‏ من أشعة الشمس أثناء شروقها فترتفع درجة حرارته‏,‏ ويعيد إشعاع تلك الحرارة علي هيئة أشعة تحت حمراء إلي الغلاف الغازي للأرض بمجرد غياب الشمس فيدفئه‏.‏
كذلك ينتاقص الضغط كلما ارتفعنا في الغلاف الغازي للأرض لتناقص كثافة الهواء حتي يصل إلي واحد من ألف من الضغط الجوي فوق مستوي سطح البحر بالارتفاع إلي‏48‏ كيلو مترا فوق هذا المستوي‏.‏
ويقدر ما يقع من وزن كتلة الغلاف الغازي المحيط بالأرض علي كل فرد من بني الإنسان بنحو الطن‏,‏ ومن رحمة الله بنا أننا لا نشعر بثقله لأن الضغط الداخلي في جسد كل منا يقاوم هذا الوزن الذي يعرف باسم الضغط الجوي‏,‏ فنحن نعيش ومعنا بقية الكائنات الأرضية الحية وسط الغلاف الغازي للأرض‏,‏ كما تعيش الأحياء المائية في داخل وسطها المائي‏,‏ ويوثر في هذا الضغط الجوي كل من الجاذبية الأرضية‏,‏ ودرجة حرارة الجو‏,‏ وتضاريس سطح الأرض‏,‏ بين عدد من العوامل الأخري‏.‏

التغيير في الضغط الجوي أحد عوامل حركة الرياح
تنجم التغيرات في الضغط الجوي اساسا عن التغيرات في كم الحرارة الذي يصل إلي الأجزاء المختلفة من سطح الأرض في أثناء دورانها حول محورها المائل علي دائرة البروج بزاوية مقدارها ست وستون درجة ونصف تقريبا امام الشمس‏,‏ وفي مدار حولها‏.‏
ويؤدي الاختلاف في درجات حرارة الغلاف الغازي للأرض إلي تكون مناطق ذات ضغط مرتفع‏,‏ وأخري ذات ضغط منخفض‏,‏ وترسل الرياح بإرادة الله تعالي‏,‏ وحسب قوانينه وسننه في حركة رأسية وأفقية متصلة من مناطق الضغط المرتفع إلي منطاق الضغط المنخفض حسب شدة انحدار أو ارتفاع خطوط تساوي الضغط حول كل منطقة من مناطق الضغط الجوي‏.‏
ويعين علي ذلك سرعة دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق‏,‏ والتي تساعد في توجيه حركة الرياح وتؤدي إلي تكسر كل من الرياح الساخنة المتدفقة من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين‏,‏ والرياح الباردة المتدفقة من القطبين في اتجاه خط الاستواء علي هيئة عدد من الخلايا الهوائية الكبيرة بعضها خلايا دافئة ورطبة ترتفع الي اعلي لتكون السحب الممطرة بإذن الله‏,‏ وبعضها خلايا باردة وجافة تهبط الي اسفل‏,‏ وبعضها خلايا متوسطة البرودة والجفاف‏,‏ وهي أيضا تمثل رياحا هابطة إلي أسفل‏.‏
ويؤثر دوران الأرض حول محورها أمام الشمس تأثيرا عموديا في حركة الرياح سرعة واتجاها‏,‏ فتحرفها جهة اليمين بصفة عامة في نصف الأرض الشمالي‏,‏ وجهة اليسار بصفة عامة في نصفها الجنوبي‏,‏ ويزداد هذا الاثر في طبقات الجو العليا بمعدلات أكبر مما يؤدي إلي تغيير اتجاه الرياح تدريجيا حتي يصبح موازيا لخطوط تساوي الضغط
Geostrophic Wind
أما قريبا من سطح الأرض فإن الرياح لا تهب بموازاة خطوط تساوي الضغط تماما بسبب احتكاكها مع تضاريس سطح الأرض‏.‏
كذلك ترسل الرياح بإذن من الله تعالي في حركات رأسية حيث يدفأ الهواء الملامس لسطح الأرض فيرتفع إلي أعلي‏,‏ ويحل محله تيار من الهواء البارد الهابط إلي أسفل‏.‏

تكون الكتل والجبهات الهوائية
بهذه الحركة الدائبة للرياح أفقيا ورأسيا ينقسم الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏(‏ في نطاقي الرجع والتطابق اساسا إلي اعداد من الكتل الهوائية المتجاورة‏,‏ والكتلة الهوائية تمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما بينه في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية‏,‏ تمتد أفقيا لعدة كيلو مترات‏,‏ ورأسيا بين ثلاثمائة وثلاثة الاف متر‏,‏ ومن هذه الكتل الهوائية ما هو دافئ‏,‏ وما هو بارد‏,‏ ومنها ما هو رطب‏,‏ وما هو جاف‏,‏ ومنها ما يغير درجة رطوبته النسبية بمروره فوق مساحات مائية كبيرة أو فوق مساحات من الصحاري الجافة القاحلة‏.‏
ويتكون بين الكتل الهوائية المتجاورة أفقيا ورأسيا ما يسمي باسم الجبهات الهوائية‏,‏ والجبهة الهوائية هي الحد الفاصل بين كتلتين متجاورتين من كتل الهواء المتباينة في درجات حرارتها ورطوبتها النسبية‏,‏ ولذلك تكون منطقة تفاعل جوي نشط‏.‏
وإذا التقت كتلتان من الهواء فإن الباردة منها تنزل تحت الدافئة‏,‏ ويتكون بينهما منطقة انتقالية هي منطقة الجبهة الهوائية التي تحول دون اختلاطهما‏,‏ وتفصل بين صفاتهما الفيزيائية والكيميائية‏,‏ وسرعة الرياح واتجاهاتها في كل منهما‏.‏
وعبور الجبهة الهوائية لمنطقة ما يؤثر في ظروفها المناخية تأثيرا بالغا‏,‏ فإذا كانت الجبهة باردة أدت إلي انخفاض درجات الحرارة‏,‏ وإلي تكون السحب الطباقية ونزول المطر بإذن الله‏,‏ وإذا كانت الجبهة دافئة أدت إلي ارتفاع درجة الحرارة‏,‏ وإلي تكون السحب الركامية‏
Cumuliformorheapclouds
المتجمعة علي هيئة أكوام مكدسة من السحاب فوق بعضها البعض بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بالأودية والأخاديد‏,‏ مما يعكس الارتفاعات المتعددة للهواء المشبع ببخار الماء من أماكن متفرقة‏,‏ واستمرار تدفق الهواء المشبع ببخار الماء إلي أعلي يؤدي إلي زيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها‏,‏ وبالتالي إلي إمكانية هطول المطر منها بإذن الله‏.‏
وتؤدي الكتل الهوائية الدافئة الرطبة إلي تكون كل من السحاب والضباب والندي‏,‏ ومع إرسال الرياح تتشكل السحب الطباقية بإذن الله‏
Stratiformorlayeredclouds
وهي تتكون من طبقات تمتد افقيا لمئات من الكيلومترات المربعة تعكس الارتفاع المنتظم للهواء المشبع ببخار الماء عبر مساحات كبيرة‏,‏ ولذلك فهي عادة ما تكون اغزر انواع السحب إمطارا وأوسعها انتشارا بإذن الله‏(‏ تعالي‏).‏
اما إذا كانت الكتل الهوائية دافئة وجافة‏,‏ فينتج عنها تكون الصقيع في الصباح الباكر أيام فصل الشتاء‏,‏ وإثارة الغبار والاتربة والزوابع الشديدة في فصل الصيف خاصة إذا رافقتها رياح شديدة السرعة نسبيا‏.‏

المرتفعات الجوية
يعرف المرتفع الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض يتميز بضغط اعلي من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به‏,‏ ومنها‏:‏
‏(1)‏ المرتفعات الجوية الدافئة التي تتشكل في المناطق شبه المدارية‏,‏ وتتكون بسبب هبوط‏,‏ الهواء البارد من اعلي وانضغاطه‏,‏ وبالتالي ارتفاع درجة حرارته مع زيادة ضغطه‏.‏
‏(2)‏ المرتفعات الجوية الباردة‏:‏ وتتشكل فوق مناطق الجليد الواسعة بفعل التبريد المستمر للهواء الساكن فوق تلك المناطق مما يؤدي إلي تقلص الهواء وزيادة كثافته وارتفاع ضغطه‏.‏
وتعد المناطق الهوائية ذات الضغط المرتفع مصدرا من مصادر إرسال الرياح بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لأنها تدفع بالهواء الداخل فيها من قمتها إلي أسفل هابطا ليخرج من قاعدتها في اتجاه عقارب الساعة كما تدفع الهواء من حولها بعيدا عن مركزها مما يؤدي إلي حركة الكتل الهوائية‏,‏ وانتقالها تدريجيا من اماكنها بحركات دورانية رأسية وأفقية واسعة‏,‏ وهبوط الهواء من الاجواء العليا في المرتفع وانتشاره أفقيا فوق سطح الأرض من عوامل تكون كتلة هوائية مستقرة نسبيا ومتجانسة التركيب‏.‏
ويصاحب المرتفع الجوي عادة بشيء من صفاء الجو‏,‏ مع قلة الرطوبة النسبية‏,‏ وإن كان خروج تيار الرياح من قاعدة المرتفع قد يثير شيئا من غبار الأرض‏,‏ ويؤدي إلي تكون عدد من الزوبعات الترابية‏.‏

المنخفضات الجوية
يعرف المنخفض الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض يتميز بضغط أخفض من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به‏,‏ ومنها‏:‏
‏(1)‏ المنخفض الجوي الحراري‏:‏ وينشأ بسبب تسخين الهواء بملامسته لسطح الأرض مما يؤدي إلي تمدده‏,‏ وتناقص كثافته وارتفاعه إلي أعلي كما يحدث في المناطق الحارة‏.‏
‏(2)‏ المنخفض الجوي الجبهي‏:‏ وينشأ عند التقاء جبهتين هوائيتين إحداهما دافئة والاخري باردة‏,‏ فيصعد الهواء الدافئ إلي أعلي‏,‏ ويدخل الهواء البارد تحته فتتشكل كتلتان هوائيتان دافئة وباردة‏.‏
وتدور الرياح حول المنخفض الجوي في عكس اتجاه عقارب الساعة نحو الداخل وعلي ذلك فإن نمو المنخفض الجوي أو اضمحلاله يعتمد علي معدل دخول الهواء فيه عند سطح الأرض ومعدل خروجه منه إلي أعلي‏.‏
وتتحرك الرياح من المرتفع الجوي إلي المنخفض الجوي قرب سطح الأرض‏,‏ وفي الأجواء العليا تتحرك بشكل افقي معاكس بالنسبة للمرتفع الجوي أي يخرج من قمة المنخفض الجوي بحركة دورانية ليتجه مع الاتجاه السائد للرياح العليا‏,‏ بينما يدخل في قمة المرتفع الجوي هابطا إلي اسفل ليخرج من قاعدته‏.‏
ونظرا لقدوم الكتل الباردة من المناطق القطبية‏,‏ والكتل الدافئة من المناطق المدارية فإن التقاءهما يكون غالبا فوق مناطق العروض المتوسطة‏,‏ ونظرا لانحراف الكتل الهوائية في اثناء سيرها نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي‏,‏ ونحو اليسار في نصفها الجنوبي‏,‏ فإن الجبهتين عند التقائهما تدور الرياح حول مركز المنخفض في اتجاه معاكس لاتجاه عقارب الساعة‏.‏ وصعود الهواء الرطب إلي اعلي في منطقة الضغط المنخفض يساعد علي تكثيف مابه من بخار الماء‏,‏ وعلي تكوين السحب الركامية‏,‏ وحدوث ظواهر الرعد والبرق فيها وربما إلي نزول المطر بإذن الله‏.‏

حركة المنخفضات الجوية والجبهات الهوائية
تتحرك المنخفضات الجوية في غالبيتها من الغرب إلي الشرق مع اتجاه دوران الأرض حول محورها بسرعات تتراوح بين‏30,20‏ كم‏/‏ ساعة‏,‏ ويرافقها في حركتها وتدور حولها جبهاتها الهوائية‏,‏ ويلاحظ تباطؤ سرعة المنخفض الجوي عند مروره فوق اليابسة‏,‏ وإنحراف اتجاهه نحو القطب الشمالي أو الجنوبي للأرض‏(‏ حسب وضعه في أي من نصفي الأرض‏)‏ خاصة إذا صادف تضاريسا معترضة كالسلاسل الجبلية التي يصطدم بها‏,‏ فتزيد من إمكانية صعوده إلي اعلي‏,‏ وتكون السحب الركامية‏,‏ وزيادة امكانية تكثف بخار الماء فيها‏,‏ وبالتالي إمكانية هطول المطر منها بإذن الله‏.‏
ولذلك يمن علينا ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون‏*(‏ الاعرف‏:57)‏
وتشير الآية الكريمة إلي حركات الرياح‏,‏ الافقية والرأسية‏,‏ ودورها في تكوين وحمل السحاب الثقال‏(‏ المزن المثقلة بما فيها من قطرات الماء‏),‏ وسوقه أفقيا إلي حيث يشاء الله‏(‏ تعالي‏),‏ وإنزال ما به من ماء‏(‏ حين تصل كتلة قطرة الماء حدا لا يقوي السحاب علي حمله‏),‏ فيحيي به الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض بعد موتها ويخرج به من كل الثمرات‏,‏ ويضرب ذلك مثلا لإخراج الموتي‏,‏ فسبحان الذي أنزل القرآن بهذه الدقة العلمية الفائقة حتي في مقام ضرب المثل‏,‏ وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الأمي الذي تلقاه وعلي آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلي يوم الدين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية