قضايا و اراء

42112 ‏السنة 126-العدد 2002 مارس 25 ‏11 من المحرم 1423هــ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(40)‏ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر‏....*)‏
بقلم الدكتور‏: زغـلول النجـار

هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة فصلت وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وخمسون‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول القرآن الكريم وعن كونه هدي وشفاء للمؤمنين‏,‏ علي الرغم من صد المشركين والكافرين عنه‏,‏ وعن دعوته الرئيسية إلي توحيد الله والاستقامة علي هديه‏.‏
وقد استهلت السورة بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

حم‏*‏ تنزيل من الرحمن الرحيم‏*‏ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون‏(‏ فصلت‏:1‏ ــ‏3)‏
وحم من الحروف المقطعة التي افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏,‏ والتي تضم أسماء نصف عدد حروف الهجاء الثمانية والعشرين‏,‏ والتي تعتبر من أسرار القرآن علي الرغم من المحاولات العديدة التي بذلت من أجل تفسير دلالاتها‏.‏

وبعد هذا الاستهلال‏,‏ تحدثت السورة عن أن القرآن الكريم هو تنزيل من الله الرحمن الرحيم‏,‏ وأنه كتاب فصلت آياته أي‏:‏ ميزت لفظا ومعني‏,‏ وأنه أنزل بلسان عربي ليخاطب العرب في المقام الأول‏,‏ وليحمله العرب إلي غيرهم من الأمم‏,‏ وقد يحتج نفر من غير العرب علي إنزاله بالعربية‏,‏ ولو أنه أنزل بأية لغة أخري لأثير نفس التساؤل‏:‏ لماذا أنزل بهذه اللغة دون غيرها؟
ويرد عليهم ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في نفس السورة بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏

ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته‏...‏
وتركز السورة علي القرآن الكريم مؤكدة أنه كلام الله الذي أنزله بشيرا ونذيرا‏,‏ ووصفه بقوله‏:..‏ وإنه لكتاب عزيز‏*‏لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
‏(‏فصلت‏41‏ و‏42)‏

وبينت السورة موقف كل من المؤمنين والمشركين من هذا الكتاب العزيز‏,‏ وأمرت رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بالتأكيد علي بشريته‏,‏ واصطفائه للنبوة وللرسالة ولتلقي الوحي من الله‏,‏ وتبليغه للناس كافة في دعوة سماوية إلي التوحيد الخالص لله الخالق‏(‏ بغير شريك ولاشبيه ولامنازع‏)‏ والتحذير من الوقوع في جريمة الشرك بالله‏,‏ والتأكيد علي عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة‏,‏ واستشهدت السورة الكريمة بعدد من آيات الله في الكون علي تفرد الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بالألوهية والربوبية والوحدانية‏,‏ وعلي طلاقة قدرته في إبداع خلقه‏,‏ ووظفت كل ذلك في إثبات قدرته‏(‏ تبارك اسمه‏)‏ علي الإفناء وإعادة الخلق والبعث من جديد‏.‏
وتنذر سورة فصلت المعرضين عن دين الله بعقاب من مثل عقاب قوم عاد وثمود‏,‏ وعقاب غيرهم من الأمم التي قد خلت من قبلهم من كل من الجن والإنس‏,‏ وتذكر ببعض مشاهد العذاب في الآخرة‏,‏ ومن أخطرها حوار الخاطئين مع جوارحهم التي سوف تشهد عليهم وعلي جرائمهم التي ارتكبوها في حياتهم الدنيا‏,‏ وحوار المشركين مع من أشركوا بهم‏.....!!‏

كما تتحدث السورة الكريمة عن عدد من المبشرات للمؤمنين الذين آمنوا بالله ربا‏,‏ وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ نبيا ورسولا‏,‏ واستقاموا علي منهج الله‏,‏ ومنها أن الملائكة تتنزل عليهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏,‏ وفي لحطات الموت وسكراته‏,‏ وفي أثناء حشرجة الصدر‏,‏ وخروج الروح‏:‏ مطمئنة إياهم برضاء الله عنهم‏,‏ ومغفرته لهم‏,‏ ورحمته بهم‏,‏ ومبشرة بالنعيم المقيم الذي ينتظرهم إن شاء الله تعالي‏.‏
وتقارن السورة الكريمة بين أحوال كل من المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة‏,‏ وتتحدث عن شيء من أخلاق الدعاة إلي الله‏,‏ وأساليبهم في الدعوة إليه‏,‏ كما تمايز بين كل من الخير والشر‏,‏ والحسنة والسيئة‏,‏ وتؤكد أنهما لايستويان أبدا‏,‏ وتثبت رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بأن من قبله من الأنبياء والمرسلين قد جوبهوا بمثل ماقوبل به من الكفار والمشركين‏,‏ وتطمئنه بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو صاحب المغفرة وهو في الوقت نفسه ذو عقاب أليم‏....,‏ وأن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها‏..‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ ليس بظلام للعبيد‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ يرد إليه علم الساعة‏,‏ وعلم كل شيء‏,‏ وهو‏(‏ سبحانه‏)‏ علام الغيوب‏,‏ وتخلص إلي الحديث عن شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ وتختتم بهذا الوعد الإلهي القاطع‏:‏

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه علي كل شيء شهيد‏*‏ ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط‏(‏ فصلت‏:53‏و‏54)‏
وفي هاتين الآيتين الكريمتين من التأكيد القاطع بأن مستقبل الإنسانية سوف يري من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس مايشهد علي صدق القرآن الكريم‏,‏ وأن جدل الكافرين حول قضية البعث وشكهم في إمكانية وقوعه نابع من سقوطهم في خطأ القياس علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بقدرات الإنسان المحدودة مما دفعهم إلي ما هم فيه من كفر وضلال‏...!!‏

ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة فصلت مايلي‏:‏
‏(1)‏ خلق الأرض في يومين‏(‏ أي علي مرحلتين‏).‏
‏(2)‏ خلق الجبال‏.‏

‏(3)‏ مباركة الأرض بتهيئتها للعمران‏,‏ وتقدير أقواتها فيها في أربعة أيام‏(‏ أي‏:‏ أربع مراحل شاملة المرحلتين السابقتين‏).‏
‏(4)‏ إتمام بناء الكون بجعل السماوات سبعا‏,‏ كما أن الأراضين سبع‏,‏ وتزيين السماء الدنيا بالنجوم‏,‏ وجعلها حفظا لها‏.‏

‏(5)‏ عقاب الكافرين من قوم عاد بريح صرصر عاتية‏.‏
‏(6)‏ عقاب الكافرين من قوم ثمود بالصاعقة والطاغية‏.‏

‏(7)‏ شهادة كل من سمع وأبصار وجلود الكافرين علي جرائمهم التي ارتكبوها في الحياة الدنيا‏.‏
‏(8)‏ قدرة الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي إنطاق كل شيء‏.‏

‏(9)‏ تبادل كل من الليل والنهار مما يشير إلي دوران الأرض حول محورها‏.‏
‏(10)‏ حركات كل من الشمس والقمر‏.‏

‏(11)‏ اهتزاز الأرض وربوها‏(‏ أي انتفاخها وارتفاعها إلي أعلي‏)‏ بمجرد نزول الماء عليها‏,‏ وذلك لكي ترق رقة شديدة فتنشق لتفسح طريقا سهلا آمنا للنبتة الطرية‏(‏ السويقة‏)‏ المنبثقة من داخل البذرة النابتة‏,‏ وتشبيه هذا الإحياء للأرض بإحياء الموتي‏,‏ وإنبات كل من عجب ذنبة كما تنبت البقلة من حبتها طبقا لحديث رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
‏(12)‏ رد علم الساعة وعلم كل شيء إلي الله تعالي‏.‏

‏(13)‏ الوعد المستقبلي بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يري الإنسان من آيات الخلق في الآفاق والأنفس مايشهد بصدق كل ماجاء بالقرآن الكريم‏.‏
‏(14)‏ التأكيد علي أن من أسباب كفر الكافرين شكهم في إمكانية حدوث البعث لقياسهم علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بمقاييس البشر‏,‏ والتأكيد علي أن الله محيط بكل شيء‏.‏
وسوف أقصر حديثي هنا علي تبادل كل من الليل والنهار وأبدأ بأقوال المفسرين السابقين في تلك القضية‏.‏

أقوال المفسرين
في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
أـ صورة من سفينة الفضاء جاليليو لكل من الأرض والقمر فى وسط ظلمة الكون ويرى نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا والنصف الآخر غارقا فى ظلام دامس
ب ـ أحد رواد الفضاء يسبح فى ظلمة الكون ويرى طبقة نور النهار على سطح الأرض خطا رفيعا ازرق ( 200 كم )
ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لاتسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون‏(‏ فصلت‏:37)‏
ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ مانصه‏:‏ يقول تعالي منبها خلقه علي قدرته العظيمة‏,‏ وأنه الذي لانظير له وأنه علي مايشاء قدير‏:(‏ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر‏)‏ أي أنه خلق الليل بظلامه‏,‏ والنهار بضيائه‏(‏ نوره‏),‏ وهما متعاقبان لايفتران‏,‏ والشمس وإشراقها والقمر وضياءه‏(‏ ونوره‏)‏ وتقدير منازله في فلكه‏,‏ واختلاف سيره في سمائه‏,‏ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار‏,‏ والشهور والأعوام‏,‏ ويتبين بذلك حلول أوقات العبادات والمعاملات‏,‏ ثم لما كانت الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة‏...,‏ نبه تعالي علي أنهما مخلوقان عبدان من عبيده‏,‏ تحت قهره وتسخيره فقال‏:(‏ لاتسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون‏)‏ أي‏:‏ ولاتشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره‏,‏ فإنه لايغفر أن يشرك به‏....‏

وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ مانصه‏:‏ وهذه الآيات معروضة للأنظار‏,‏ يراها العالم والجاهل‏,‏ ولها في القلب البشري روعة مباشرة‏,‏ ولو لم يعلم الإنسان شيئا عن حقيقتها العلمية‏.‏ فبينها وبين الكائن البشري صلة أعمق من المعرفة العلمية‏,‏ بينها وبينه هذا الاتصال في النشأة‏,‏ وفي الفطرة‏,‏ وفي التكوين‏,‏ فهو منها وهي منه‏,‏ تكوينه تكوينها‏,‏ ومادته مادتها‏,‏ وفطرته فطرتها‏,‏ وناموسه ناموسها‏,‏ وإلهه إلهها‏..‏ فهو من ثم يستقبلها بحسه العميق في هزة وإدراك مباشر لمنطقها العريق‏!!‏
لهذا يكتفي القرآن غالبا بتوجيه القلب إليها‏,‏ وإيقاظه من غفلته عنها‏,‏ هذه الغفلة التي ترد عليه من طول الألفة تارة‏,‏ ومن تراكم الحواجز والموانع عليه تارة‏,‏ فيجلوها القرآن عنه‏,‏ لينتفض جديدا حيا يقظا يعاطف هذا الكون الصديق‏,‏ ويتجاوب معه بالمعرفة القديمة العميقة الجذور‏.‏

وصورة من صور الانحراف تلك التي تشير إليها الآية هنا‏.‏ فقد كان قوم يبالغون في الشعور بالشمس والقمر شعورا منحرفا ضالا فيعبدونهما باسم التقرب إلي الله بعبادة أبهي خلائقه‏!!‏ فجاء القرآن ليردهم عن هذا الانحراف‏,‏ ويزيل الغبش عن عقيدتهم المدخولة ويقول لهم‏:‏ إن كنتم تعبدون الله حقا فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر‏(‏ واسجدوا لله الذي خلقهن‏)‏ فالخالق هو وحده الذي يتوجه إليه المخلوقون أجمعون‏.‏ والشمس والقمر مثلكم يتوجهان إلي خالقهما فتوجهوا معهم إلي الخالق الواحد الذي يستحق أن تعبدوه‏,‏ ويعيد الضمير عليهما مؤنثا مجموعا‏(‏ خلقهن‏)‏ باعتبار جنسهما وأخواتهما من الكواكب والنجوم‏,‏ ويتحدث عنهن بضمير المؤنث العاقل ليخلع عليهن الحياة والعقل‏,‏ ويصورهن شخوصا ذات أعيان‏!!.‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ علي كاتبه من الله الرضوان‏)‏ أن في هذه الآية الكريمة ردا قاطعا علي عبدة الشمس والقمر‏,‏ كالصابئة الذين يعبدون الكواكب‏.‏

وجاء في صفوة التفاسير‏(‏جزي الله كاتبه خيرا‏)‏ مانصه‏:...‏ ومن علاماته الدالة علي وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار‏,‏ وتذليل الشمس والقمر‏,‏ مسخرين لمصالح البشر‏!.‏

الليل والنهار في القرآن الكريم
جاء ذكر الليل في القرآن الكريم اثنتين وتسعين مرة‏,‏ منها ثلاثة وسبعون بلفظ‏(‏ الليل‏),‏ ومرة واحدة بلفظ‏(‏ ليل‏),‏ وثماني مرات بلفظ‏(‏ ليلة‏),‏ وخمس مرات بلفظ‏(‏ ليلا‏),‏ وثلاث مرات بلفظ‏(‏ ليال‏),‏ ومرة واحدة بكل من اللفظين‏(‏ ليلها‏)‏ و‏(‏ليالي‏).‏
وفي المقابل جاء ذكر النهار في القرآن الكريم سبعة وخمسين مرة منها أربع وخمسون بلفظ‏(‏ النهار‏),‏ وثلاث مرات بلفظ‏(‏ نهارا‏),‏

كما وردت ألفاظ‏(‏ الصبح‏)‏ و‏(‏الإصباح‏),‏ و‏(‏الفلق‏),‏ و‏(‏بكرة‏)‏ ومشتقاتها بمدلول النهار في آيات أخري عديدة‏,‏ كما جاءت كلمة‏(‏ يوم‏)‏ أحيانا بمعني النهار في عدد من آيات القرآن الكريم
وفي هذه الآيات يمن علينا ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بتبادل الليل والنهار ويعتبرهما من آياته الكبري لأن في ذلك استقامة للحياة علي الأرض‏,‏ وعونا للإنسان علي تحديد الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث المتتالية‏...,‏ وبدون هذا التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير تتوقف الحياة علي الأرض‏,‏ ويتلاشي إحساس الإنسان بمرور الزمن‏,‏ وتتوقف قدرته علي متابعة الأحداث والتأريخ لها‏.‏

والليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق تشهدان علي دقة بناء الكون‏,‏ وعلي انتظام حركة الأرض حول محورها المائل بقدر محدد‏,‏ وبدقة فائقة‏,‏ في مدار محدد حول الشمس‏,‏ وما يستتبعه ذلك من تحديد لسنة الأرض‏,‏ وتبادل للفصول المناخية‏,‏ ومرور للشهور‏,‏ والأسابيع‏,‏ والأيام‏,‏ وتعاقب الليل والنهار علي نصفي الأرض‏.‏
ويحدد سنتنا دورة كاملة للأرض في مدارها حول الشمس‏,‏ ويقسمها إلي إثني عشر شهرا دورة القمر حول الأرض دورة كاملة في كل شهر‏,‏ كما يمكن تحديد كل شهر من تلك الشهور بواسطة البروج التي تتراءي للناظر من فوق سطح الأرض مع جريها في مدارها حول الشمس‏,‏ كما تحدد منازل القمر كلا من الأسابيع‏,‏ والأيام بدقة فائقة‏,‏ ويحدد اليوم تعاقب كل من الليل والنهار بانتظام دقيق‏,‏ وإحكام بالغ‏,‏ وتحدد المزولة أوقات اليوم من طلوع الشمس إلي غروبها‏.‏ علي ذلك فإن السنة الهجرية‏(‏ الإسلامية‏)‏ هي سنة شمسية قمرية‏,‏ ويشير إلي ذلك قول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر‏....‏
‏(‏ فصلت‏:37)‏

تبادل الليل والنهار في منظور العلوم الكونية
إن التبادل المنتظم بين الليل المظلم والنهار المنير علي نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة للحياة الأرضية‏,‏ ولاستمرارية وجودها بصورها المختلفة حتي يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏,‏ فبهذا التبادل بين الظلمة والنور يتم التحكم في توزيع مايصل إلي الأرض من الطاقة الشمسية‏,‏ وبالتالي يعين علي التحكم في درجات الحرارة‏,‏ والرطوبة‏,‏ وكميات الضوء في مختلف البيئات الأرضية‏,‏ كما يعين علي التحكم في العديد من الأنشطة الحياتية وغير الحياتية من مثل التنفس والأيض في كل من الإنسان والحيوان‏,‏ وعمليات النتح والتمثيل الضوئي في النباتات‏,‏ كما يتم ضبط التركيب الكيميائي للغلافين الغازي والمائي المحيطين بالأرض‏,‏ وضبط الكثير من دورات النشاط الأرضي من مثل دورة الماء بين الأرض والطبقات الدنيا من غلافها الغازي‏,‏ وحركات الرياح والسحاب في هذا الغلاف‏,‏ وتوزيع نزول المطر منه‏(‏ بتقدير من الله‏),‏ كما تتم دورة تعرية الصخور بتفتيتها‏,‏ ونقل هذا الفتات أو إبقائه في مكانه‏,‏ من أجل تكوين التربة‏,‏ أو الرسوبيات والصخور الرسوبية ومابها من خيرات أرضية‏.‏

وبالإضافة إلي ذلك فإن في اختلاف الليل المظلم والنهار المنير تقسيما لليوم الأرضي إلي فترة للحركة والعمل والنشاط‏,‏ وفترة للراحة والاستجمام والسكون‏,‏ فالإنسان ــ علي سبيل المثال ـ محتاج إلي السكينة بالليل كي يخلد فيه إلي شيء من الراحة النفسية بالعبادة والتفكر‏,‏ والراحة البدنية بالاسترخاء والنوم والإغفاء حتي يستعيد كلا من نشاطه البدني والذهني‏,‏ ويستجمع قواه فيتهيأ للعمل بالنهار التالي وما يتطلبه ذلك من القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وقد ثبت علميا أن أفضل النوم يكون بالليل‏,‏ وأقله فائدة هو نوم النهار‏(‏فيما عدا فترة القيلولة‏),‏ كما ثبت أن كثرة النوم بالنهار تؤثر في نشاط الدورة الدموية في جسم الإنسان‏,‏ وتتهدده بالتيبس في العضلات‏,‏وتؤدي إلي تراكم الدهون‏,‏ وزيادة الوزن‏,‏ وإلي العديد من صور التوتر العصبي والقلق النفسي‏,‏ وربما كان من مبررات التوجيه الرباني بالنوم بالليل والنشاط بالنهار‏,‏ أن طبقات الحماية التي أوجدها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ومن أهمها النطق المتأينة‏(
Ionospheres)‏
ومابها من أحزمة الإشعاع‏(
RadiationBelts)‏
تتمدد بالنهار فتزداد قدراتها علي حماية الحياة الأرضية مما يسمح للانسان بالحركة والنشاط دون مخاطر‏,‏ وهذه النطق تنكمش انكماشا ملحوظا بالليل مما يقلل من قدراتها علي الحماية فينصح الإنسان بالركون إلي النوم والراحة حماية له من تلك المخاطر‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

وجعلنا الليل لباسا‏*‏ وجعلنا النهار معاشا‏(‏ النبأ‏:11,10)‏
وقال‏(‏ عز من قائل‏):‏
فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم
‏(‏الأنعام‏:96)‏
وقال‏(‏تبارك اسمه‏):‏
هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون
‏(‏يونس‏:67)‏
وقال‏(‏ سبحانه‏):‏
ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون
‏(‏النمل‏:86)‏
وقال‏(‏ تعالي‏):‏
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون‏*‏ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون‏*‏ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‏(‏ القصص‏:71‏ ـــ‏73(‏

وقال‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏
الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل علي الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون‏*(‏ غافر‏:61)‏
ثم إن التبادل بين الليل المظلم‏,‏ والنهار المنير‏,‏ يحدد لنا يوم الأرض‏,‏ ويعيننا علي إدراك الزمن‏,‏ وعلي تحديد الأوقات بدقة وانضباط ضروريين للقيام بمختلف الأعمال‏,‏ ولأداء كل العبادات‏,‏ وإنجاز كافة المعاملات‏,‏ والوفاء بمختلف العهود والمواثيق والعقود‏,‏ وغير ذلك من النشاطات الإنسانية‏,‏ وإن هذه النعمة لهي بحق من نعم الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي الإنسان في هذه الحياة‏,‏ وعلي كافة الأحياء الأرضية من حوله‏,‏ لأنه بدونها لاتستقيم الحياة علي الأرض‏,‏ ولايستطيع الإنسان أن يميز ماضيا من حاضر أو مستقبل‏,‏ وبالتالي فإنه بدونها لابد وان تتوقف مسيرة الحياة‏....!!!‏
من هنا كان التدبر في ظاهرة تعاقب الليل والنهار دعوة إلي الخلق كافة للإيمان بالله‏,‏ وإدراك شيء من بديع صنعه في هذه الحياة‏,‏ ومن هنا أيضا جاءت الآية الكريمة التي نحن بصددها‏,‏ وغيرها من الآيات التي تشير إلي تبادل الليل والنهار في صياغة معجزة ــ شأنها في ذلك شأن كل آيات القرآن الكريم ـــ ومن جوانب ذلك الإعجاز إشارتها إلي أعداد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعد ذلك مما يجزم بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة الحقة‏,‏ والرسالة الخاتمة‏.‏

الشواهد العلمية المستقاة من تبادل الليل والنهار
‏(1)‏ التأكيد علي كروية الأرض‏:‏ فإن تبادل الليل والنهار علي نصفي الارض وتعاقبهما وإيلاج كل منهما في الآخر‏,‏ واختلافهما‏,‏ وتقليبهما‏,‏ وإدبار أحدهما وسفور الآخر‏,‏ واغشاء نور النهار بحلكة الليل‏,‏ وتجلية حلكة الليل بنور النهار‏,‏ وتكوير الليل علي النهار‏,‏ وتكوير النهار علي الليل‏,‏ كل ذلك إشارات ضمنية رقيقة إلي كروية الأرض‏,‏ فلو لم تكن الأرض كرة ما أمكن حدوث شيء من ذلك أبدا‏,‏ وأبسطه تبادل الليل والنهار علي نصفي الأرض‏.‏
هذه الحقيقة العلمية جاء بها القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة من السنين في وقت ساد فيه الاعتقاد باستواء الأرض كل الناس‏,‏ علي الرغم من اثبات عدد من قدامي المفكرين غير ذلك‏.‏
ونزول الآيات القرآنية العديدة بهذه الحقيقة الكونية الثابتة في الجزيرة العربية التي كانت ــ في ذلك الوقت القديم ـــ بيئة بدوية بسيطة‏,‏ ليس لها أدني حظ من المعرفة العلمية ومناهجها ولا بالكون ومكوناته لمما يقطع بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ والذي هو أدري بصنعته من كل من هم سواه‏,‏ وأن سيدنا ونبينا محمدا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.‏

‏(2)‏ التأكيد علي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏:‏
فلو لم تكن الأرض كروية‏,‏ ولو لم تكن تلك الكرة تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار‏,‏ وهذا الدوران عبرت عنه الآيات القرآنية في أكثر من عشرين آية صريحة‏,‏ بتعبيرات ضمنية رقيقة‏,‏ ولكنها مصاغة صياغة علمية دقيقة‏,‏ تبلغ من الدقة والشمول والكمال مالم يبلغه العلم الحديث منها‏:‏
إيلاج الليل في النهار‏,‏ وإيلاج النهار في الليل‏,‏ واختلافهما‏,‏ وتعاقبهما‏,‏ وتقليبهما‏,‏ وإدبار أحدهما وإقبال الآخر‏,‏ وإغشاء النهار بالليل‏,‏ وتجلية الليل بالنهار‏,‏ وتكوير الليل علي النهار‏,‏ وتكوير النهار علي الليل‏,‏ وجعل كل منهما خلفة للآخر‏,‏ وسريان الليل وعسعسته‏,‏ بعد إظلامه وسجوه‏,‏ وإسفار الصبح وتنفسه وطلوع ضحاه وتجليه بعد إغشاء الليل وإظلامه‏(‏آل عمران‏:27,‏ الرعد‏:3,‏ الحج‏:61,‏ المؤمنون‏:80,‏ النور‏:44,‏ الفرقان‏:62,‏ لقمان‏:29,‏ الجاثية‏:3‏ــ‏5,‏ الحديد‏:6,‏ المدثر‏:33‏ــ‏35,‏ التكوير‏:17‏ ــ‏19,‏ الفجر‏:4,‏ الليل‏:2,1,‏ الضحي‏:2,1)‏
وقد أنزلت هذه الآيات مؤكدة حقيقة دوران الأرض حول محورها في وقت ساد فيه الاعتقاد بثبات الأرض ورسوخها‏,‏ بمعني عدم دورانها أو تحركها‏,‏ وهو أمر معجز للغاية‏.‏

‏(3)‏ التأكيد علي أن سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس في المراحل الأولي لخلق الكون كانت أعلي من سرعتها الحالية‏:‏
وهذه الحقيقة لم يتوصل العلم المكتسب من إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وقد سبقها القرآن الكريم بأكثر من أربعة عشر قرنا وذلك بالاشارة إلي هذه الحقيقة في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوي علي العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين‏(‏ الأعراف‏:54)‏
وإغشاء النهار بالليل جاء في القرآن الكريم أربع مرات‏(‏ الأعراف‏:54,‏ الرعد‏:3,‏ الشمس‏:1‏ــ‏4,‏ الليل‏:2,1),‏ والمرة الوحيدة التي جاءت فيها الصفة‏:‏يطلبه حثيثا أي سريعا‏,‏ هي هذه الآية الرابعة والخمسين من سورة الأعراف لأنها تتحدث عن بداية خلق السماوات والأرض‏,‏ وهي حقيقة مدونة في هياكل الحيوانات‏,‏ وأخشاب النباتات بدقة بالغة‏,‏ ولم يكن لأحد من الخلق إلمام بأية فكرة عنها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين حين اكتشف العلماء أن تبادل الليل والنهار كان يتم في العقود الجيولوجية القديمة بسرعة فائقة جعلت من عدد الأيام في السنة عند بدء الخلق أكثر من ألفي يوم‏,‏ وجعلت من طول الليل والنهار معا أقل من أربع ساعات‏,‏ وكان إبطاء سرعة دوران الأرض حول محورها بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمان آية من آيات الله في إعداد الأرض لاستقبال الحياة‏,‏ لأن صور الحياة ــ وفي مقدمتها الإنسان ـــ ماكان ممكنا أن تتلاءم مع هذه السرعات الفائقة لدوران الأرض ولا لقصر طول كل من الليل والنهار‏.‏

‏(4)‏ التأكيد علي سبح الأرض في مدارها حول الشمس‏:‏
يعبر القرآن الكريم عن الأرض في عدد من آياته بالليل والنهار كما جاء في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون‏*(‏ الأنبياء‏:33)‏
وفي قوله‏(‏ عز من قائل‏):‏
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون‏(‏ يس‏:40)‏

وذلك لأن كلا من الليل والنهار عبارة عن ظرف زمان‏,‏ وليس جسما ماديا‏,‏ ولابد للزمان من مكان يظهر فيه‏,‏ والمكان في هذه الحالة هو كوكب الأرض الذي يقتسم الليل نصفه‏,‏ والنهار النصف الآخر في حركة دائبة‏,‏ وتبادل مستمر‏,‏ ولو لم تكن الأرض كروية‏,‏ ولو لم تكن تدور حول محورها أمام الشمس لما تبادل سطحها الليل والنهار في تعاقب مستمر‏,‏ ولولا جري الأرض في مدارها حول الشمس ماتغيرت البروج‏,‏ ولو لم تكن الأرض مائلة بمحور دورانها علي دائرة البروج بزاوية مقدارها‏66,5‏ درجة تقريبا ماتبادلت الفصول‏,‏ ولولا علم الله بجهل الناس لتلك الحقائق في الأزمنة السابقة لأنزل الحقيقة الكونية بلغة صادعة‏,‏ قاطعة‏,‏ ولكن لكي لايفزع الخلق في وقت تنزل القرآن الكريم أشار إلي جري الأرض في مدارها المحدد لها حول الشمس يسبح كل من الليل والنهار‏,‏ والسبح لايكون إلا للأجسام المادية في وسط أقل كثافة منها‏,‏ فالسبح في اللغة هو الانتقال السريع للجسم المادي بحركة ذاتية فيه من مثل حركات كل من الأرض والقمر والشمس وغيرها من أجرام السماء كل في مداره وحول جرم أكبر منه‏,‏ ويؤكد هذا الاستنتاج صيغة الجمع كل في فلك يسبحون التي جاءت في الآيتين‏,‏ لأنه لو كان المقصود بالسبح الشمس والقمر فحسب لجاء التعبير بالتثنية وكلاهما يسبحان‏.‏

‏(5)‏ التأكيد علي الرقة الشديدة لطبقة النهار في الغلاف الغازي لنصف الأرض المواجه للشمس‏:‏
وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد ريادة الفضاء‏,‏ في منتصف الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين‏,‏ وقد سبق القرآن الكريم هذا الكشف العلمي بأربعة عشر قرنا وذلك في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون‏(‏ يس‏:37)‏

وهذه الآية الكريمة تؤكد أن الأصل في الكون الظلام‏,‏ وأن طبقة النهار في الغلاف الغازي المحيط بنصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ والتي تتحرك باستمرار لتحل محل ظلام الليل بإشراق الفجر‏,‏ هي طبقة بالغة الرقة لايكاد سمكها أن يتعدي المائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وإذا نسبنا هذا السمك إلي المسافة بين الأرض والشمس وهي مقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر كانت النسبة واحدا إلي سبعمائة وخمسين ألفا تقريبا
‏(200‏كم‏/150,000,000‏كم‏=750,000/1‏ تقريبا‏)‏

وإذا نسبناه إلي نصف قطر الجزء المدرك من الكون و‏,‏المقدر بأكثر من اثني عشر بليون‏(‏ ألف مليون‏)‏ سنة ضوئية أختفت هذه النسبة تماما أو كادت‏,‏ ومن هنا تتضح ضآلة سمك الطبقة التي يعمها نور النهار‏,‏ كما يتضح عدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلي أخري علي سطح الأرض مع دورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ ويتضح كذلك أن تلك الطبقة الرقيقة من نور النهار تحجب عنا ظلام الكون الخارجي‏,‏ لأن الذين تعدوا طبقة النهار من رواد الفضاء رأوا الشمس في منتصف النهار قرصا أزرق في صفحة سوداء‏,‏ وبهذه المعلومات التي اكتشفت منذ أقل من نصف قرن تتضح روعة تشبيه القرآن الكريم انسلاخ نور النهار عن ظلمة كل من الليل والكون بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها‏,‏ وهذا يؤكد أن الظلمة هي الأصل في هذا الكون‏,‏ وأن النهار ليس إلا ظاهرة‏,‏ نورانية‏,‏ عارضة‏,‏ رقيقة جدا‏,‏ لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي في نصفه المواجه للشمس‏,‏ وبواسطة دوران الأرض حول محورها أمام ذلك النجم ينسلخ النهار تدريجيا أمام ظلمة ليل الأرض‏,‏ والتي تلتقي بظلمة السماء‏.‏
وتجلي النهار علي الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض بهذا النور الأبيض المبهج هو من نعم الله الكبري علي عباده‏,‏ ويفسرها تشتت ضوء الشمس بانعكاساته المتكررة علي هباءات الغبار وعلي جزيئات كل من بخار الماء والهواء العالقة بالغلاف الغازي القريب من الأرض‏(‏والتي تثيرها الرياح من سطح الأرض‏)‏ وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه‏,‏ وتناقص كثافته باستمرار مع الارتفاع‏,‏ وندرة كل من جسيمات الغبار‏,‏ وبخار الماء فيه حتي تتلاشي ولذلك تبدو شمسنا كما يبدو غيرها من نجوم السماء الدنيا بقعا زرقاء باهتة‏,‏ في بحر غامر من ظلمة الكون‏.‏

‏(6)‏ التأكيد علي دقة الحساب الزمني بواسطة كل من الليل والنهار والشمس والقمر‏:‏
من المعروف أن السنة الهجرية هي سنة شمسية‏/‏قمرية‏,‏ لأن هذه السنة تحددها دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة تتمها في‏365.25‏ يوما تقريبا‏,‏ وأن هذه السنة تقسم إلي اثني عشر شهرا بواسطة دوران القمر حول الأرض‏,‏ كما يقسم الشهر إلي أسابيع وأيام وليال بنفس الواسطة‏,‏ وقد تقسم الشهور بواسطة البروج التي تمر بها الأرض في أثناء جريها في مدارها حول الشمس‏,‏ كما تدرك الأيام بتبادل كل من الليل والنهار‏,‏ ويقسم النهار إلي وحدات أصغر بواسطة المزولة الشمسية‏,‏ ومن هنا كان القسم القرآني بالليل والنهار والشمس والقمر في خمس آيات‏(‏ الأنعام‏:96,‏ إبراهيم‏:33,‏ النحل‏:12,‏ الأنبياء‏:33,‏ فصلت‏:37).‏

‏(7)‏ الإشارة إلي أن ليل الأرض كان في بدء الخلق ينار بعدد من الظواهر الكونية‏:‏
وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا‏(‏ الإسراء‏:12)‏

ويستشف من هذه الآية أن ظاهرة الشفق القطبي وأطيافه‏(
AuroraandAuroralSpectra)
والتي تعرف أيضا باسم ظاهرة الأنوار القطبية‏(
Polarlights)‏
أو باسم ظاهرة فجر الليل القطبي‏(
PolarNight‏ ص‏sDawn),‏
وهي ظاهرة نورانية تري بالليل في سماء المناطق القطبية وحول القطبية‏,‏ وتتكون نتيجة لارتطام الأشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الجزء المدرك من الكون‏(‏ علي هيئة الجسيمات الأولية للمادة‏)‏ بالغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلي تأينه‏,‏ وإصدار أشعة كونية ثانوية‏,‏ ونتيجة لذلك تتصادم الأشعات بشحناتها الكهربية المختلفة مع كل من أحزمة الإشعاع ونطق التأين في الغلاف الغازي للأرض وتفريغ شحناتها فتوهجها‏,‏ والجسيمات الأولية للمادة متناهية في الدقة‏,‏ وتحمل شحنات كهربية عالية‏,‏ وتتحرك بسرعات تقترب من سرعة الضوء ولم تكتشف إلا في سنة‏1936‏ م‏.‏
والأشعة الكونية تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسين فتؤدي إلي تأين الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ومن ثم إلي توهجه‏,‏

ومن الثابت علميا أن نطق الحماية المتعددة في الغلاف الغازي للأرض من مثل نطاق الأوزون‏,‏ ونطق التأين‏,‏ وأحزمة الإشعاع‏,‏ والنطاق المغناطيسي للأرض لم تكن موجودة في بدء خلق الأرض‏,‏ ولذلك فقد كانت الأشعة الكونية تصل إلي المستويات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض فتؤدي إلي توهجه ليلا حول كافة الأرض‏,‏ وبعد تكون نطق الحماية المختلفة أخذت هذه الظاهرة في التضاؤل التدريجي حتي اختفت‏,‏ فيما عدا مناطق محدودة حول القطبين‏,‏ تبقي شاهدة علي أن ليل الأرض في المراحل الأولي من خلقها كان يضاء بوهج لايقل في شدته عن نور الفجر الصادق فسبحان الذي أنزل من قبل أربعة عشر قرنا قوله الحق علي لسان نبيه الخاتم‏:‏
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل‏,‏ وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب‏(‏ الإسراء‏:12)‏

هذه الشواهد العلمية المستقاة من تبادل الليل والنهار بدءا بتأكيد كروية الأرض‏,‏ ثم دورانها حول محورها‏,‏ وتباطؤ هذا الدوران مع الزمن‏,‏ وجريها في مدارها المحدد حول الشمس‏,‏ والرقة الشديدة لطبقة النهار‏,‏ والدقة الفائقة لحساب الزمن بواسطة تتابع كل من الليل والنهار والشمس والقمر‏,‏ وأن ليل الأرض كان يضاء في بدء الخلق بوهج لايقل في شدته عن نور الفجر الصادق‏,‏ وأن من بقايا هذا الوهج القديم ظاهرة الفجر القطبي‏.‏
هذه الشواهد لم يصل الإنسان إلي إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أنزل علي نبي أمي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ ومن قبل أربعة عشر قرنا لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخاتم والخالد‏,‏ وأن النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ ولذلك وصفه ربه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بقوله‏:‏
وما ينطق عن الهوي‏*‏إن هو إلا وحي يوحي‏*‏ علمه شديد القوي‏(‏ النجم‏:3‏ ـــ‏5(‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية