قضايا و اراء

41930 ‏السنة 126-العدد 2001 سبتمبر 24 ‏7 رجـب 1422 هــ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
19 ـ ‏ أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؟‏!‏
بقلم الدكتور‏:‏زغـلول النجـار

ردا علي منكري البعث يعرض القرآن الكريم في مطلع سورة ق لعدد من الأدلة المنطقية المثبتة لكمال القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ والشاهدة علي إحاطة علم الله تعالي بكل صغيرة وكبيرة في الكون‏,‏ والناطقة بعظيم حكمته في خلقه وفيما أنزل من علم‏,‏ والمؤكدة أن الله تعالي الذي خلق هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه ـ علي غير مثال سابق ـ هو القادر علي إفنائه وعلي إعادة خلقه من جديد‏,‏ وذلك لأن قضية البعث كانت دوما حجة الكافرين والملحدين والمتشككين‏...!!!.‏
ومن أول هذه الأدلة إحكام بناء السماء‏,‏ ورفعها بغير عمد مرئية‏,‏ وتزيينها بالكواكب والنجوم والبروج وغير ذلك من أجرام السماء‏,‏ وسلامتها من كل نقص يمكن أن يعيبها في شيء‏,‏ ومن كل خلل يمكن أن ينتابها حتي يأتي أمر الله بتدميرها فيفنيها ويعيد إبدالها وإبدال الأرض بغيرهما من جديد‏..!!!.‏

والاستشهاد بالسماء وببنائها وزينتها وبسلامتها من كل عيب ونقص وخلل منطلق من حقيقة أن السماء هي إحدي صفحات الكون المفتوحة أمام كل ذي بصر وبصيرة‏,‏ الناطقة بطلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ والصارخة في كل غافل عن الحق‏,‏ وكل منكر للخلق‏,‏ وكل جاحد للبعث‏,‏ وكل متنكر لله الخالق أو مشرك به‏(‏ تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا‏)‏ أن انظر إلي السماء وما حوت من أجرام‏,‏ ومن مختلف صور المادة والطاقة‏,‏ في سعة من المكان‏,‏ وتقادم في الزمان‏,‏ وترابط وإحكام‏,‏ وحركة وانتظام‏,‏ دون توقف أو اصطدام‏,‏ وارتفاعات مذهلة بغير عمد مرئية‏,‏ وجمال وزينة‏,‏ وتكامل واتساق‏,‏ لا تشوبه شائبة‏,‏ ولا يعتريه أدني قدر من الخلل أو النقص الذي يعيب الكمال من مثل التصدع أو الانفراج أو التشقق‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
ق والقرآن المجيد‏*‏ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب‏*‏ أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد‏*‏ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ‏*‏ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج‏*‏ أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج‏**‏
‏(‏ ق‏:1‏ ـ‏6)‏

ووصف السماء بتمام البناء‏,‏ وجمال الزينة‏,‏ والتكامل والاتساق الذي لا تشوبه شائبة جاء في عدد غير قليل من آيات القرآن الكريم من مثل قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
الذي خلق سبع سماوات طباقا ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور‏*‏ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير‏*(‏ الملك‏:4,3)‏

وهنا يبرز التساؤل عن بناء السماء‏,‏ وعن زينتها‏,‏ وعن كمالها واتساقها وعدم وجود‏(‏ فروج‏)‏ فيها بمعني أدني قدر من الشقوق‏,‏ أو التصدعات في بنائها‏,‏ وقبل الإجابة عن ذلك لابد من التعرض لمدلول الألفاظ‏,‏ بناء‏,‏ وزينة‏,‏ وفروج في كل من اللغة العربية والقرآن الكريم وهذا ما سوف نتناوله في السطور التالية‏:‏

المدلول اللغوي لألفاظ الآية الكريمة
أ & ب : محاكاة بالحاسب الآلي لبناء التجمعات المجرية تشير إلى وجود الأربطة الكونية بين مناطق مظلمة
ج & د : رسومات تخطيطية لأربع شرائح من سور المجرات العظيم وتبدو فيها المجرات والمناطق المظلمة العملاقة الفاصلة بينها
يقال في اللغة العربية‏:(‏ بني‏),(‏ يبني‏),(‏ بناء‏)‏ أو دارا بمعني شاد بيتا‏,‏ والبناء اسم لما يبني بناء‏,‏ ومن مرادفات‏(‏ البناء‏):(‏ البنية‏)‏ و‏(‏البنيا‏)‏ و‏(‏البني‏)‏ بضم الباء‏,‏ و‏(‏البني‏)‏ و‏(‏البنية‏)‏ بكسرها‏,‏ وكذلك‏(‏ البنيان‏)‏ وهو واحد لا جمع له‏,‏ وقيل هو جمع‏(‏ بنيانة‏)‏ وهذا النوع من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه‏.‏
ويقال‏:(‏ بني‏)‏ الرجل بعروسه بمعني زف إليها‏,‏ وكل داخل بأهله‏(‏ بان‏)‏ وهذا من قبيل الاستعارة‏.‏

أما عن الفعل‏(‏ زين‏)‏ فيقال‏(‏ زين‏)‏ الشيء‏(‏ يزينه‏)(‏ تزيينا‏)‏ بمعني جمله ورتبه بالقول أو بالفعل أو بهما معا‏,‏ وعلي ذلك فكل من الحجام والحلاق‏(‏ مزين‏),‏ كذلك يقال‏(‏ زان‏)‏ الشيء‏(‏ يزينه‏)(‏ زينة‏)‏ بمعني اضفي عليه من نفسه أو فعله شيئا من الجمال‏,‏ ويقال‏:(‏تزين‏)‏ و‏(‏إزدان‏)‏أي تجمل‏(‏ أزينت‏)‏ الأرض و‏(‏ ازينت‏)[‏ وأصله‏(‏ تزينت‏)‏ فأدغم‏]‏ إذا اكتست بشيء من الخضرة‏,‏ و‏(‏تزيين‏)‏ الله للأشياء إبداعه لها بزينة وإيجادها كذلك‏,‏ و‏(‏تزيين‏)‏ الناس للشيء بتزويقهم إياه بفعلهم‏(‏ أي بإضافة شيء جميل إليه‏)‏ أو بقولهم وهو أن يمدحوه‏,‏ ويذكروه بما يرفع من قدره ويغري الناس به‏.‏
و‏(‏الزينة‏)‏ ما‏(‏ يتزين‏)‏ به أو ما‏(‏ يزين‏)‏ الانسان او الشيء‏,‏ أي ما يجمله ولا يشينه في شيء من احواله‏,‏ و‏(‏يوم الزينة‏)‏ هو يوم العيد‏,‏ و‏(‏الزين‏)‏ عموماهو ضد الشين‏.‏

أما عن‏(‏ فروج السماء‏)‏ فهي جمع‏(‏ فرج‏)‏ بفتح ثم سكون‏,‏ و‏(‏الفرجات‏)‏ جمع‏(‏ فرجة‏).‏ وهو الشق بين الشيئين كفرجة الحائط وما أشبهه‏,‏ ويقال في اللغة‏(‏ فرج‏)‏ من الغم أو من الهم‏(‏ فرجة‏)‏ و‏(‏فرجا‏)‏ اي خرج منه‏,‏ و‏(‏الفرج‏)‏ هو انكشاف الهم والغم‏,‏ ولذلك يقال‏:(‏ فرج‏)‏ الله غمه‏(‏ وفرجه‏)(‏ تفريجا‏)‏ اي ازاله عنه‏,‏ و‏(‏الانفراج‏)‏ السعة المادية او المعنوية بعد ضيق‏,‏ او الاتساع بالشق او الفتق في شيء متماسك ومتصل‏,‏ وللفظة دلالات اخري عديدة تخرج عن نطاق المقصود في الآية الكريمة التي نحن بصددها‏.‏

المدلول القرآني لألفاظ الآية الكريمة
جاءت مادة‏(‏ بني‏)‏ بمختلف مشتقاتها في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعا‏,‏ منها سبع مرات متعلقة ببناء السماء‏,‏ وخمس عشرة مرة متعلقة بالبنيان علي الارض‏,‏ وفي كل الحالات خصت السماء بالوصف‏(‏ بناء‏)‏ وخص تشييد الانسان علي الارض بالوصف‏(‏ بنيان‏),‏ وهذا امر له دلالته العميقة في الاشارة الي الفرق بين صنع الله وصنع الانسان في القضية الواحدة‏.‏
وجاء الفعل‏(‏ زين‏)‏ بمختلف مشتقاته في القرآن الكريم ستا وأربعين مرة منها ست مرات متعلقة بالسماء‏,‏ وأربعون مرة متعلقة بزينة الناس‏(‏ افرادا وجماعات‏)‏ او بمناسباتهم المبهجة من مثل الأعياد‏,‏ او بزينة الأرض حينما تكسوها الخضرة‏,‏ أو بتزيين الله تعالي العمل للأمم‏(‏ افرادا وجماعات‏)‏ او بمعني تزيين الشيطان للمعاصي واعمال السوء في انظار بعض الناس‏.‏

وقد سبق الحديث عن كل من بناء السماء وزينتها في عدد من المقالات السابقة‏,‏ ولا اري داعيا لتكرار ذلك هنا‏,‏ وعليه فإن هدف هذا المقال يتركز حول اثبات تماسك السماء ونفي كل صورة من صور الخلل او الاضطراب فيها والتي عبر عنها القرآن الكريم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ و‏(‏ما لها من فروج‏).‏
وجاء الفعل‏(‏ فرج‏)‏ بمشتقاته في القرآن الكريم تسع مرات‏,‏ منها اثنتان متعلقتان بالسماء والباقي بمعني صون العرض‏,‏ والآيتان المتعلقتان بالسماء جاء فيهما قول الحق تبارك وتعالي‏:‏ أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج‏(‏ ق‏:6)‏
بمعني أن مالها من شقوق أو فتوق‏.‏

و وإذا السماء فرجت‏(‏ المرسلات‏:9)‏ بمعني انشقت‏.‏ والمعني في الحالتين يشير الي سلامة السماء في الدنيا من العيوب وانشقاقها في الآخرة‏.‏

آراء المفسرين
ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ان الله تعالي يقول منبها للعباد علي قدرته العظيمة التي اظهر بها ما هو اعظم مما تعجبون منه مستبعدين وقوعه‏:(‏ أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها‏)‏ أي بالمصابيح‏,(‏ وما لها من فروج‏)‏ قال مجاهد‏:‏ يعني من شقوق‏;‏ وقال غيره‏:‏ فتوق‏;‏ وقال غيره‏:‏ صدوع‏;‏ والمعني متقارب‏,‏ لقوله تبارك وتعالي‏:‏ ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور‏.‏
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ يرحمهما الله‏):‏ أفلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث‏(‏ إلي السماء‏)‏ كائنة فوقهم‏(‏ كيف بنيناها‏)‏ بلا عمد‏(‏ وزيناها‏)‏ بالكواكب ومالها من فروج شقوق تعيبها‏.‏

وذكر مخلوف‏(‏ يرحمه الله‏):‏ أفلم ينظروا‏..‏ شروع في بيان بعض أدلة القدرة التامة علي البعث‏,‏ ردا لاستبعادهم إياه‏,‏ وهو سبعة أدلة‏;‏ أي اغفلوا أو عموا فلم ينظروا ـ حين انكروا البعث ـ الي السماء فوقهم كيف أحكمنا بناءها‏,‏ ورفعناها بغير عمد‏,‏ وزيناها بالكواكب‏,(‏ ومالها من فروج‏)‏ شقوق وفتوق وصدوع‏,‏ جمع فرج وهو الشق بين الشيئين‏,‏ والمراد سلامتها من كل عيب وخلل‏.‏
ويذكر صاحب الظلال‏(‏ يرحمه الله‏):‏ ان هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه‏,‏ أفلم ينظروا إلي ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار؟ وإلي ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال‏,‏ وبراءة من الخلل والاضطراب‏!!!‏ إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا‏,‏ مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال‏,‏ ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج‏.‏

ويقول الصابوني‏(‏ امد الله في عمره‏):‏ ثم ذكر الله تعالي دلائل القدرة والوحدانية الدالة علي عظمة رب العالمين فقال‏:‏ أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم‏)‏ أي أفلم ينظروا نظر تفكر واعتبار إلي السماء في ارتفاعها وإحكامها‏,‏ فيعلموا أن القادر علي إيجادها قادر علي إعادة الإنسان بعد موته‏!!!(‏ كيف بنيناها وزيناها‏)‏ أي كيف رفعناها بلا عمد‏,‏ وزيناها بالنجوم‏,(‏ وما لها من فروج‏)‏ اي ما لها من شقوق وصدوع‏.‏
وقد أجمع المفسرون الذين تعرضوا لشرح هذه الآية الكريمة علي اعتبار الحرف‏(‏ ما‏)‏ في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏),(‏ وما لها من فروج‏)‏ انه حرف نفي أي ان السماء خالية من الفروج التي قد تنبيء بخلل ما في بنائها وذلك لأن انفراج السماء وانفطارها وانشقاقها من علامات الآخرة لقول الحق تبارك وتعالي‏:‏

ـ وإذا السماء فرجت‏(‏ المرسلات‏:9).‏
ـ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا‏(‏ الفرقان‏:25).‏
ـ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏(‏ الدخان‏:10.‏
ـ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان‏(‏ الرحمن‏:37)‏
ـ يوم تمور السماء مورا‏(‏ الطور‏:9)‏
ـ وانشقت السماء فهي يومئذ واهية‏(‏ الحاقة‏:16)‏
ـ يوم تكون السماء كالمهل‏(‏ المعارج‏:8)‏
ـ السماء منفطر به كان وعده مفعولا‏(‏ المزمل‏:18)‏
ـ وفتحت السماء فكانت أبوابا
‏(‏ النبأ‏:19)‏
ـ وإذا السماء كشطت‏(‏ التكوير‏:11)‏
ـ إذا السماء انفطرت‏(‏ الانفطار‏:1)‏
ـ إذا السماء انشقت‏(‏ الانشقاق‏:1)‏

وهذه الآيات كلها تشير الي الآخرة‏,‏ وتصور القيامة وأهوالها وشيئا من مشاهدها المرعبة‏,‏ واحداثها العظام‏,‏ وتؤكد سلامة سماء الدنيا من كل هذه الأوصاف‏.‏

هل يمكن للآية الكريمة أن تحمل
معني وجود فروج في السماء؟

أجمع المفسرون كما سبق وان اشرنا علي ان الحرف‏(‏ ما‏)‏ في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)(‏ وما لها من فروج‏)‏ هو حرف نفي ينفي وجود فروج بالسماء تنبيء بضعف او خلل في بنائها‏,‏ ولكن انطلاقا من وجود مناطق مظلمة إظلاما تاما في السماء الدنيا نظرا لخلوها من النجوم وتجمعاتها سماها علماء الفلك مجازا بالفراغات او الفجوات نسبة الي خلوها من الأجرام المضيئة اندفع نفر قليل من علماء المسلمين الي الاقتراح بأن‏(‏ ما‏)‏ في هذه الآية الكريمة قد تكون اسما موصولا بمعني‏(‏ الذي‏)‏ وليست‏(‏ ما‏)‏ النافية‏,‏ وذلك في محاولة لإثبات وجود فروج في السماء‏,‏ وتصوروا ان هذا الاستنتاج يجعل الآية كلها تقرأ في الصيغة التعجبية الاستفهامية التي بدأت بها الآية بمعني‏:‏ أفلم ينظروا الي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها؟ وأفلم ينظروا ما للسماء من فروج؟‏.‏
وهذا الاستنتاج مخالف لنصوص القرآن الكريم التي تجمع علي غير ذلك‏,‏ وعلي ان انفراج السماء وانفطارها وانشقاقها هو من علامات الآخرة‏,‏ ولا وجود لها‏,‏ في سماء الدنيا كما سبق أن أشرنا‏;‏ ليس هذا فقط بل إن الدراسات الفلكية والفيزيائية تنفي إمكانية وجود فراغات في الجزء المدرك من الكون وذلك للأسباب التالية‏:‏

أولا‏:‏ المناطق المظلمة من الكون
المدرك لا تعني وجود فراغات فيه

في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين قام عدد من الفلكيين بعملية مسح للجزء المدرك من السماء لعمل خرائط جديدة له ثلاثية الأبعاد‏,‏ وفي أثناء ذلك لاحظوا وجود العديد من المناطق المظلمة التي لا تحتوي نجوما مضيئة بين المجرات‏,‏ وسموها مجازا‏(‏ بالفجوات‏)‏ او‏(‏ الفقاعات‏)‏ وانطلقوا من ذلك الي الاستنتاج بأن الكون المدرك يشبه قطعة الإسفنج المليئة بالفجوات‏,‏ وتمثل المجرات فيها خيوط الاسفنج المنسوجة بإحكام حول تلك الفجوات‏,‏ واعتبروا تلك الفجوات خيوطا كونية عملاقة سموها باسم

ولما كانت فجوات الإسفنج ليست فراغا لامتلائها بالهواء أو بالماء‏,‏ فإن المناطق المظلمة بالكون المدرك ليست فراغا لامتلائها بالدخان الكوني‏,‏ وبمختلف صور الأشعة الكونية‏,‏ بل قد يكون فيها من صور المادة والأجرام الخفية ما يفوق كتل المجرات المحيطة بها مجتمعة‏,‏ ويعتقد عدد من الفلكيين المعاصرين أن هذه المناطق المظلمة تتكون أساسا من المواد الداكنة الباردة‏.‏

التي تمثل الكتلة المفقودة

في الكون المدرك‏,‏ وقد تحتوي علي أعداد من النجوم الخانسة ذات الكثافات الفائقة والمعروفة باسم الثقوب السود‏,‏ وأن هذه المادة الداكنة الخفية والنجوم الخانسة التي أمكن إدراكها بطرق غير مباشرة‏,‏ أمكن حساب كتلتها بمايزيد علي تسعين بالمئة من كتلة الجزء المدرك من الكون‏.‏
ففي سنة‏1981‏ م اكتشف عدد من الفلكيين تلك المناطق المظلمة من الكون المدرك في كوكبة العواء أو كوكبة راعي الشتاء التي تقع في نصف الكرة الشمالي‏,‏ وظنوها فراغات هائلة أو فقاعات عظيمة‏,‏ ثم تبين لهم بعد ذلك أن أمثال تلك المناطق المظلمة منتشرة في مختلف أرجاء الكون المنظور‏,‏ وحتي في داخل مجرتنا‏,‏ وأنها من أساسيات النظام الكوني‏,‏ ومن أسرار بنائه‏,‏ وأن لها دورا مهما في تماسك ذلك البناء‏.‏

وفي سنة‏1989‏ م تم اكتشاف مايسمي باسم الحائط العظيم وهو عبارة عن حشد هائل من تجمعات المجرات يبلغ طوله نحو مائتين وخمسين مليونا من السنين الضوئية‏,‏ وعرضه نحو مائتي مليون‏,‏ وسمكه نحو خمسة عشر مليونا من السنين الضوئية‏,‏ وقد اكتشف الفلكيون في داخل هذا الحائط العظيم العديد من المناطق المظلمة الشاسعة الأبعاد‏,‏ التي تفصل بين كل من المجرات والتجمعات المجرية بمختلف مستوياتها‏,‏ وتبدو هذه المناطق المظلمة وكأنها مناطق جذب فائقة الشدة‏,‏ مرتبة ترتيبا دقيقا وبأشكال هندسية محددة‏,‏ وتتوزع المجرات حولها‏,‏ وكأنها خلايا عظيمة البناء متصلة بشكل هندسي بديع حول المناطق المظلمة التي يبدو أنها مشدودة إلي مراكز تلك المناطق بقوي فائقة للغاية إلي ماقد أشير إليه آنفا باسم المادة الداكنة التي يراها البعض أربطة كونية فائقة

علي هيئة جسيمات فائقة الكتلة لم يمكن اكتشافها بعد‏,‏ أو علي هيئة قوة كهرومغناطيسية ذات موجات غير معروفة تؤثر في المادة التي تنتشر حولها وقد تكون ناتجة عن الحركة الدورانية الشديدة في كل أجرام السماء‏.‏
وهذه الكتل المظلمة أو الفقاعات الدخانية الضخمة التي لاتحوي أية أجرام منظورة‏,‏ قد تضم بجوار المادة الداكنة والاجرام غير المنظورة أعدادا هائلة من الجسيمات المادية والإشعاعات الكونية‏,‏ وربما بعض الغازات المتأينة المعروفة باسم البلازما ويبدو أنها من أسرار بناء السما‏,‏ ومن ضرورات قيامها واتزانها‏,‏ ومن لوازم انتشار كل من المادة والطاقة في مختلف أرجائها‏,‏ وأن لها دورا مهما في بناء التجمعات المجرية العظمي يفوق دور تجاذب المجرات فيما بينها ويعتقد بأن هذه الفقاعات الدخانية قد تكونت عقب عملية الانفجارالعظيم بعد فترة من الزمن كافية لتجمع اللبنات الأولية للمادة الناشئة عن ذلك الانفجار علي هيئة ذرات‏,‏ ويعتقد كذلك بأن المجرات قد تكونت بتكدس عدد من تلك الفقاعات الدخانية علي ذاتها بفعل الجاذبية‏,‏ كما يعتقد بأن تفكك المجرات في مراحلها النهائية قد يؤدي إلي تكون مثل هذه الفقاعات الدخانية‏,‏ ويمكن بذلك ان يفسر نشأة أشباه النجوم

التي تنتشر اليوم علي أطراف الجزء المدرك من الكون‏.‏
ففي يناير سنة‏1988‏ م تم اكتشاف شبيه نجم علي مسافة تقدر بنحو‏(16850)‏ سنة ضوئية منا‏,‏ وفي أغسطس من نفس السنة تم اكتشاف مجرة راديوية تبعد عنا خمسة عشر بليونا من السنين الضوئية‏,‏ وفي نهاية سنة‏1989‏ م تم اكتشاف شبيه نجم يبعد عنا بمسافة‏(17400)‏ مليون سنة ضوئية‏,‏ ويعتبر بعده أقصي حد وصل إليه علماء الفلك في الجزء المدرك من الكون الذي يتسع باستمرار‏.‏

ثانيا‏:‏ اتساع الكون ينفي وجود فراغات فيه
ثبت لنا في مطلع القرن العشرين أن كوننا دائم الاتساع وأن هذا الاتساع ناشيء عن تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض‏,‏ وبهذا التباعد تتخلق المادة و الطاقة من حيث لايدرك العلماء‏,‏ لأن كلا من المكان والزمان والمادة والطاقة قد تم خلقه بعملية الانفجار العظيم‏,‏ ويتجدد خلقه بتمدد الكون واتساعه‏,‏ فلايوجد مكان بغير زمان‏,‏ ولازمان بغير مكان‏,‏ ولايوجد مكان وزمان بغير مادة وطاقة‏.‏
ويؤدي تباعد المجرات إلي اتساع أفق الكون بالنسبة لموقعنا منه‏,‏ ونحن لانستطيع أن نري من هذا الموقع ماوراء الأفق‏,‏ ومن المفروض أنه باتساع الكون وتباعد الأفق الكوني عنا في كل لحظة أنه يمكن لنا أن نري أجراما سماوية جديدة علي حافة ذلك الأفق باستمرار‏,‏ وأن تختفي عن رؤيتنا أجرام قديمة وتخرج عن مجال رؤيتنا ولكن أجهزتنا الفلكية الحالية لاتتيح لنا التحقق من ذلك علي الرغم من تطورها المذهل‏,‏ وذلك لأن أفق الكون يبتعد عنا بتمدده بسرعات تقترب أحيانا من سرعة الضوء‏(‏نحو‏92%‏ من سرعة الضوء‏),‏ وعلي الرغم من ذلك فإنه انطلاقا من وحدة البناء في الجزء المدرك لنا من السماء فإننا نعتقد بأن القوانين الحاكمة للكون واحدة وسارية في كل أجزائه علي الرغم من ان النقطة التي بدأت منها عملية الانفجار العظيم لم يتم تحديد موقعها بعد‏,‏ وهي بالتأكيد أبعد بكثير من الحافة المدركة للجزء المرئي من السماء‏,‏ الذي يقدر قطره بنحو‏19‏ ـ‏23‏ بليون سنة ضوئية‏.‏

ثالثا‏:‏ المادة المضادة في الكون تنفي وجود فراغات فيه
في سنة‏1924‏ م أثبت العالم الفرنسي دي بروجلي‏

أن الإلكترون يتصرف أحيانا في ظروف معينة علي أنه موجة إشعاعية غير مادية

وما ينطبق علي الإلكترون ينطبق علي أي لبنة أخري من اللبنات الأولية للمادة‏.‏
وفي سنة‏1925‏ م وضع كل من هايسنبرج

الألماني وشرودنجر

النمساوي منفردين القواعد الأساسية لميكانيكا الكم

وللميكانيكا الموجية

وكلاهما يبحث في الأسباب التي تؤدي بالكم الضوئي أو الفوتون لأن يتصرف أحيانا علي هيئة جسيم مادي وأحيانا أخري علي هيئة موجة اشعاعية‏.‏

وفي نفس السنة‏1925‏ م أعلن باولي

مبدأ الاستبعاد الذي يؤكد أن زوجين من الإلكترونات داخل الذرة الواحدة لايمكن أن يكون لهما نفس العدد الكمي‏,‏ وبالتالي لايمكن أن يكون لهما نفس المدار حول النواة‏,‏ ونفس السرعة‏,‏ وينطبق هذا القانون فقط علي الجسيمات الأساسية التي تدخل في تركيب الذرة‏.‏
وفي سنة‏1931‏ م أعلن ديراك

النظرية المتناسبة للالكترون التي أشار فيها إلي وجود الكترون بشحنة وطاقة مختلفتين تم اكتشافه بعد ذلك بسنة واحدة‏(1932‏ م‏)‏ في الأشعة الكونية بواسطة كارل أندرسون

وسمي باسم البوزيترون

وتسلسل بعد ذلك اكتشاف نقائض لباقي الجسيمات الأولية للمادة من مثل نقيض البروتون

واعتبرت نقائض المادة

في مواجهة المادة

حقيقة من حقائق كوننا المدرك‏,‏ حيث ثبت أن لكل جسيم مادي نقيضه أي جسيما يماثله تماما في الكتلة والحجم والسرعة ولكن له شحنة مضادة ويدور بطريقة معاكسة‏,‏ وثبت انه إذا التقي الضدان فإنهما يفنيان فناء تاما‏.‏
وقد تساءل العلماء عن كيفية بقاء عالمنا المادي مع وجود كل من المادة وأضدادها وكلاهما يفني بلقاء الآخر وقد فسر ذلك بان كلا من المادة والمادة المضادة قد تجمع علي ذاته لتكوين تجمعات سماوية خاصة به بمعني وجود عوالم من المادة المضادة مغايرة لعالمنا المادي لانراها ولا نعلم عنها شيئا‏,‏ وهذا وحده غيركاف لإثبات وجود فراغات في السماء‏.‏

رابعا‏:‏ مراحل خلق الكون المدرك
تنفي وجود أية فراغات في السماء

تؤكد الدراسات الفيزيائية والفلكية انه نتيجة لواقعة الانفجار العظيم‏(‏ أو فتق الرتق‏)‏ تم خلق كل من المكان والزمان والمادة والطاقة في فترة تقدر بحوالي‏1510‏ ثانية‏(‏ أي ألف مليون مليون ثانية أي حوالي الثلاثين مليون سنة تقريبا بعد الانفجار العظيم‏)‏ مر فيها الكون بمراحل يتصورها علماء الفيزياء الفلكية علي النحو التالي‏:‏

‏(1)‏ عصر الكواركات والجليونات

وتقدر له الومضة من‏10‏ ـ‏43‏ ثانية إلي‏10‏ ـ‏32‏ ثانية وتتميز بحالات كثيفة للمادة واضدادها وان كانت نسبة الكواركات تفوق اضدادها كما تميزت بالتضخم والتوسع الانفجاريين وبانفصال كل من قوة الجاذبية والقوة النووية الشديدة كقوتين متميزتين‏.‏

‏(2)‏ عصر اللبتونات

ويقدر له الومضة من‏10‏ ـ‏32‏ ثانية إلي‏10‏ ـ‏6‏ ثانية بعد الانفجار العظيم وفيها تمايزت اللبتونات من الكواركات وظهرت البوزونات
‏bosons‏
وكانت فيه كل من القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية متحدتين علي هيئة القوة الكهربية الضعيفة‏.‏

‏3‏ـ عصر النيوكليونات وأضدادها

تقدر له الفترة بين‏10‏ ثانية الي‏225‏ ثانية بعد الانفجار العظيم وفيها اتحدت الكواركات لتكوين النيوكيلونات واضدادها‏.‏
وانفصلت القوي الاربع المعروفة‏(‏ الجاذبية‏,‏ النووية الشديدة‏,‏ النووية الضعيفة والكهرومغناطيسية‏).‏

‏4‏ـ عصر تخليق نووي الذرات

وتقدر له الفترة من‏225‏ ثانية الي ألف ثانية بعد الانفجار العظيم وفيها تخلقت نوي ذرات الايدروجين‏(74%)‏ والهيليوم‏(25%)‏ وبعض النوي الأثقل قليلا‏(1%)‏ وفيه سادت المادة‏.‏

‏5‏ـ عصر الايونات

وتقدر له الفترة من‏310‏ ثانية الي‏1310‏ ثانية بعد الانفجار العظيم وفيه تكونت غازات من ايونات كل من الايدروجين والهيليوم واخذ الكون في الاتساع والتبرد التدريجي‏.‏

‏6‏ـ عصر تخلق الذرات


وتقدر له الفترة من‏1310‏ ثانية الي‏1510‏ ثانية وفيه تخلقت الذرات المتعادلة وارتبطت بالجاذبية واصبح الكون شفافا لمعظم موجات الضوء‏.‏

‏7‏ـ عصر تخلق النجوم والمجرات

تقدر له الفترة من‏15/10‏ ثانية الي اليوم والي ان يشاء الله‏,‏ ويتميز ببدء عملية الاندماج النووي لتكوين نوي ذرات اثقل من الايدروجين‏.‏
وهذه المراحل المتتالية تؤكد ان المادة والطاقة ملأتا المكان والزمان منذ اللحظة الأولي للانفجار العظيم وظلا يملآنه مع استمرار تمدد الكون وان كان ذلك يتم بتباين واضح في تركيز وجودهما من نقطة الي أخري في الجزء المدرك من الكون‏.‏

خامسا‏:‏ المادة بين الكواكب و النجوم والمجرات‏:‏
تنفي وجود فراغات في الجزء المدرك من الكون

إلي عهد قريب كان علماء الفلك يعتقدون ان اجرام السماء تسبح في فراغ تام ولكن البحوث المتأخرة اثبتت ان المسافات بين كل من النجوم وتجمعاتها المختلفة‏(‏ المجرات وتجمعاتها الي نهاية الجزء المدرك من الكون‏)‏ تنتشر فيها الاشعة الكونية وما تحمله من جسيمات اولية والدخان الكوني ومايحمله من هباءات الرماد بالاضافة الي مايعرف باسم المادة الداكنة

والتي اقترح وجودها الفلكي السويسري فريتز زفيكي

في سنة‏1933‏ م حين اكتشف ان الكتلة الكلية المحسوبة في كوكبة العذراء تفوق بكثير مجموع كتل المجرات المكونة لها وفي سنة‏1992‏ م أعلن علماء الفلك والفيزياء الفلكية الاحتمال الكبير لوجود تلك المادة الداكنة والتي لا تري والتي يقترحون انها تتركب من جسيمات ذرية جديدة لم تكتشف بعد وتسمي الويمبات

أو الجسيمات الثقيلة التي تمثل نوعا من الخيوط الكونية التي تربط اجرام السماء وتحمل الاوامر الكونية كما تحملها لبنات الشفرة الوراثية في اجساد الكائنات الحية وربما تفسر المادة الداكنة الكتلة المفقودة في الكون

كالتي ادركها زفيكي في الثلث الأول من القرن العشرين وكذلك يمكن ان تفسر طبيعة مناطق الجاذبية العملاقة التي تربط التجمعات المجرية العظمي مع بعضها البعض‏.‏

هذه الادلة مجتمعة تنفي وجود فراغات في الكون المدرك وسبحان الذي انزل من قبل ألف واربعمائة سنة تأكيد هذه الحقيقة الكونية فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏
أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؟‏!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية