فهرس الحلقات

       مقالات ولقاءات

1998/6/6

العلاقات الأسرية في الإسلام (الجزء الثاني)

مقدمة

الوسائل التي تحمي الأسرة من المشاكل

منهج الإسلام في فضِّ النزاع بين الزوجين

تساؤلات المشاهدين

الحلف بالطلاق كتهديد - ماذا أفعل لأتجنَّب غضب أبي عليَّ؟

مسلمة تزوجت من مسيحي وماتت

حكم عدم أخذ رأي البنت في العقد

حق الزوجة في طلب الطلاق من زوج لا يصلي - عدم تبادل الحقوق والواجبات

الحكم في عيد الميلاد وعيد الأم


 

مقدمة
بدأنا الحديث في الحلقة الماضية عن العلاقات الأسرية في الإسلام وكيف وضع الإسلام قواعد لتقوية الروابط الأسرية وحماية الأسرة من التفكك والأخطار التي تهدد ذلك الكيان، نستكمل الحديث إن شاء الله حول العلاقات الأسرية في الإسلام وكيف تُحفظ هذه الأسرة .. ذلك الكيان المبارك الذي ينشأ في جنباته الجيل المسلم ويبنى على أساسه المجتمع المسلم الفاضل.

المقدم
فضيلة الشيخ عادة المشاكل تحدث في البيوت ولا شك أن المشكلة التي تحدث في البيوت من أشد الأخطار التي تهدد كيان الأسرة، هذه المشكلات لها أسباب كثيرة متعددة ولعلك ذكرت فيما سبق أننا كي نحفظ الأسرة من هذه المشكلات نبدأ بالاختيار الجيد للزوجين والتفاهم والود .. الخ. إذا أردنا أن نحدد الوسيلة أو الوسائل التي تحمي الأسرة من وقوع المشكلات خاصة تلك المشكلات الناشئة عن عدم أداء الحقوق والواجبات فبما نحددها فضيلة الشيخ؟

القرضاوي
أول ما ينبغي على الزوجين لكي يقيما الأسرة الصالحة على القواعد المكينة والأركان المتينة التي أشار إليها القرآن وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله في سورة الروم
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) فهذه القواعد الثلاث هي أساس السعادة الزوجية، أساس الزوجية الصالحة الموفقة "السكون" و"المودة" و"الرحمة" كيف نقيم حياة زوجية على هذا الأساس المكين، هو أن نقول ما أشرت إليه يا شيخ منصور أن يعرف كل من الزوجين حقه وواجبه، فالبعض يظن أن له حقوقاً وليس عليه واجبات مع أن كل حق يقابله واجب، بل الواقع أن الإسلام تقوم فلسفته على الواجبات أكثر مما تقوم على الحقوق، يعني الحضارة الغربية فلسفتها قائمة على الحقوق، الإنسان في حضارة الغرب مطالِبٌ سائل والإنسان في حضارة الإسلام مطالَبٌ مسؤول، الإنسان في نظر الإسلام مخلوق مكلَّف، معنى "مكلَّف" أن عليه التزامات وتكاليف ومسؤوليات، فالإنسان في الإسلام يقول ماذا عليَّ؟ والإنسان في حضارة الغرب يقول: ماذا لي؟ كل واحد يبحث عما له، إنما في الإسلام كل واحد يحاول أن يبحث عما عليه، إذا أدى كل إنسان ما عليه إذا أُدِّيت الواجبات روعيت الحقوق، لأن الحقوق هي في الحقيقة واجبات على الآخرين، يعني حق الزوجة هو واجب على الزوج، وحق الزوج واجب على الزوجة، وحق الأولاد واجب على الوالدين، وحقوق الوالدين واجبات على الأولاد، وحق المحكوم واجب على الحاكم، والعكس وهكذا، فلو أدى الناس واجبهم روعيت الحقوق تماماً، ومن هنا يغرس الإسلام في ذهن المسلم ونفسيته يغرس في الذهنية المسلمة وفي النفسية المسلمة الواجب أولاً، أداء الواجب، فلذلك يجب على كل من الزوجين أن يعرف ما هي الواجبات عليه، إذا نظرنا إلى الرجل مثلاً الزوج هناك واجبات عليه، أول واجب عليه أن يدفع المهر (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً)، و(نحلة) يعني عطية وهبة ليس لتشتري به المرأة بل هو من باب "تهادوا تحابوا" ففي بعض الفلسفات وبعض الديانات المرأة هي التي تدفع للرجل، فالإسلام كرم المرأة فتكون هي المطلوبة وليست هي الطالبة، في الهند وحتى في بعض المسلمين للأسف مازالوا متأثرين بهذه القضية، المرأة تدفع وتخرب بيتها والرجل عندما يكون عنده بنات تكون المصيبة الكبرى فسوف يدفع عن بناته ليزوجهن، من أجل هذا الإسلام شرع المهر، للأسف بعض النساء العلمانيات يعبن على الإسلام هذا فلماذا يدفع للمرأة مهر، بل هذا تكريم لها هذا أول حق، ثاني حق بعد ذلك هو النفقة، فالرجل هو الذي يتكفل بالنفقة (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) والنفقة تشمل كل ما يكفي المرأة كفاية تامة، حتى قالت هند زوجة أبي سفيان: يا رسول الله إن زوجي رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني أفيجوز أن آخذ من ماله؟ قال: "خذي ما يكفيك من ماله لك ولولدك بالمعروف" (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) يعني بـ"المعروف" ما تعرفه الفطر السليمة والعرف الرشيد، وما عرفه أهل الفضل من الناس أن هذا مساوٍ، لا يجوز أن تفرض شيئاً واحداً لجميع الناس في جميع المستويات وفي جميع البلاد، لا قالوا (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) يعني على المرأة ألا ترهق الزوج بالطلبات ولا ترهقه من أمره عسراً ولا تكلفه شططاً، وهو لا يبخل عليها أيضاً وفي هذه الحالة لو بخل عليها في هذه الحالة المحكمة تحكم عليه وتوجب عليه وتلزمه بالنفقة على المرأة، هناك أيضاً واجبات أخرى هي المعاشرة بالمعروف، خلاصة هذه الواجبات تتمثل في قوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) المعاشرة بالمعروف تتمثل في بشاشة الوجه وحسن الخلق وحلاوة اللسان والسؤال عن المرأة باستمرار، وعدم إفشاء أسرارها وعدم إيذائها لا بالكلام ولا بالضرب ولا بالتعيير فيقول لها أنت كنت كذا وأبوك كذا، بل الملاطفة بل أكثر من ذلك يجب عليه أن يطيِّب نفس امرأته ويستمع إليها، النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقاً مع نسائه ويقول "أحسنكم أحسنكم خلقاً لأهله وأنا أحسنكم خلقاً لأهلي" وكان يسابق عائشة ويزاحمها عند الخروج من الباب، من يطلع الأول، هذا من باب الملاطفة وسابقها مرة فسبقته، أول ما تزوجت وكانت خفيفة وصغيرة فسبقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مدة سمنت فسبقها النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه كان كبير السن، فقال لها: "هذه بتلك" يعني بلغتنا واحدة بواحدة تعادلنا، واستمع لها وهي تتحدث عن نساء، اثني عشرة امرأة حديث أم زرع المعروف، وهو حديث شيق ولطيف وطويل، وقعد النبي يستمع إليها وقال لها في الآخر: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع غير إني لا أطلقك" كل هذه مطلوبة من حسن العشرة، القرآن يقول (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) فلا ينبغي للزوج أن يستجيب لأول عاطفة تبدو منه نوع من النفور أو الكراهية فهو يقوم بقطع حبل الزواج فوراً، لابد أنه ينظر إلى عواقب الأمور يقول: لعل من وراء هذه المرأة خيراً، لعل الله يرزقني منها بذرية صالحة، لعلها تنفعني في وقت الشيخوخة، لعلها كذا..، هذا هو معنى (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) وكما أشرت إلى حديث "قل لا يفرق مؤمن مؤمناً إن سخط منها خلقا رضي منها آخر" يعني أن الإنسان يجب أن يكون واقعي وينظر إلى كل الجوانب لأن بعض الناس يركز على جانب واحد (الجانب السيئ) وينسى الجوانب الأخرى، يا أخي ربنا لم يخلق الإنسان كله شر، كل إنسان فيه شر وخير، فيه صلاح وفساد، فيه حسن وقبح، انظر إلى جوانب الحسن وجوانب الخير وجوانب الصلاح وخصوصاً إذا كانت المرأة مؤمنة فلا يمكن أن تكون المؤمنة كلها شراً "إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر" وأيضا من ضمن الواجبات أن يحتمل الرجل زوجته وأن يصبر عليها لا يبادر بفصم عرى الزوجية من أول بادرة تبدو، هذا رباط مقدس، ميثاق غليظ، فيجب على المرء أن يتحمل وخصوصاً إذا كان هناك أولاد وذرية، فالذرية لهم حق فعلى الرجل أن يصبر من أجل أولاده.

مشاهدة من أبو ظبي
عندي صديقة مسلمة وتزوجت من رجل بريطاني نصراني وتوفيت ولكنهم عاملوها كالمسلمة، دفنوها كمسلمة، فهل تجوز لها الرحمة؟ مع العلم أنها أوصت بأن يوزعوا شيئاً عن روحها.
سؤالي الثاني عندي أخ يعيش في بلد أجنبي ويعمل في مطعم يستخدم أصناف متعددة من اللحوم ومن بينها الخنزير ووالدي يعتمد على أخي من الناحية المادية ويريد والدي أن يحج وسوف يعطيه أخي المبلغ المطلوب للحج، فهل هذا المال حلال أم حرام؟

القرضاوي
أما هذه المسلمة التي تزوجت نصرانياً فلاشك أن هذا الزواج محرم ولا يجوز للمسلمة أن تتزوج غير مسلم بحال من الأحوال سواء كان كتابياً أم مشركاً أم ملحداً، المسلم يجوز له أن يتزوج كتابية، إذا كانت كتابية حقاً ومؤمنة بكتاب ومتدينة حقاً بدين أهل الكتاب، وكانت محصنة كما قال تعالى
(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وبشروط ذكرتها سابقاً إنما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج من غير مسلم بإجماع المسلمين لم يجز ذلك أي مذهب من المذاهب ولا أي فرقة من الفرق الإسلامية، فالأخت ارتكبت محرماً ومنكراً، وإذا كانت لم تستحل ذلك واعتقدت أنه حرام فهي مسلمة إن شاء الله وماتت على الإسلام، فيجوز أن نترحم عليها وأن نتصدق عنها، ونسأل الله أن يغفر لها وأن يرحمها وأن يعفو عنها ككل المسلمين العصاة في هذه الحالة، ولا أدري هل هي أصلاً غير مسلمة وأسلمت أم هي مسلمة في الأصل، فيمكن أن يخفف عنها لو كانت هي أصلاً بريطانية وأسلمت وبقي زوجها مسيحياً، فهذا أخف مما لو كانت مسلمة أصلية وتزوجت من نصراني، إنما على كل حال إذا فعلت هذا الأمر وهي غير مستحلة له فيبقى الأمر في حدود المعصية وارتكاب الكبيرة، وتكون كما قال الناظم في علم التوحيد في الجوهرة التي كنا نحفظها وندرسها في الأزهر ونحن طلاب في المرحلة الثانوية وتقول:

فأمره مفوض لربــــه

ومن يتب من ذنبـــه

وإن يعذِّب فبمحض العدل

فإن يُثِب فبمحض الفضل

فأمرها إلى مشيئة الله عز وجل ويجوز لنا أن ندعو لها ونترحم عليها ونسأل لها المغفرة والعفو من الله تبارك وتعالى.
بالنسبة لسؤالها الثاني عن مال أخيها الذي يريد أن يحجج به والده، هذا حسب مقدار المحرم في هذا العمل كم قدره، لأنه في البلاد الغربية قلما تخلو من هذا الأمر، الذي يعيش في أوروبا أو في أمريكا لا يخلو سوبر ماركت ولا يخلو مطعم من أن يباع فيه شيء من الحرام إنما كم نسبته؟، أحياناً يقول لك 5%، 3%، 10% فعندنا 90% أو 95% حلال فيُتجاوز عن هذا الأمر بحكم وجوده في تلك البلاد وفي دار الإسلام نتشدد أكثر مما نتشدد في خارج دار الإسلام، المسلم في دار الإسلام ينبغي أن يكون أحرص على اتباع أحكام الدين وتعاليمه مما خرج عن دار الإسلام، ولأن الإسلام ليس له سلطان على تلك البلاد، إذا كانت أشياء بسيطة وهو يعيش فيتلك المجتمعات غير المسلمة يمكن التسامح فيها والحد منها إن شاء الله، ولو كان الأولى بالمسلم لو جعل مال الحج مالاً خالصاً لا شبهة فيه حتى يكون حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً فيحاول لو أمكن أن يجد مالاً خالصاً من أي شبهة يكون هذا أفضل إذا لم يستطع
(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

مشاهدة من المغرب
لدي سؤالين إذا سمحت:
السؤال الأول: هل من حق الزوجة أن تطلب الطلاق إذا علمت أن الزوج لا يصلي مع أنها دائماً تنصحه بذلك ولكنه يأمرها بعدم نقاشه في ذلك؟
السؤال الثاني: هل من حق الزوج أن يطلب حقوقه من زوجته وهو لا يعطي زوجته حقوقها؟ وإذا طالبته بالحقوق يبدأ بالغضب والسب والهجران.

القرضاوي
الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول
"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" لأن الأصل ألا يُطلب الطلاق، الأصل بقاء الحياة الزوجية واستمرارها ولكن الله شرع هذا الطلاق عند تعذر الوفاق، فهنا ترك الصلاة أمر هو بأس الحديث "من غير ما بأس" إنما في هذا هناك بأس وهناك حرج، وهناك أمر وهو أن هذا الرجل لا يصلي لله قط، لا ينحني لله راكعاً ولا ساجداً، فهو إما فاسق وإما كافر فبعض مذاهب المسلمين تقول أنه فاسق، ويجب أن يقتل كما هو مذهب مالك والشافعي، إن تارك الصلاة فاسق ويجب أن يدعى إلى الصلاة وإلا قتل، ومذهب أبي حنيفة وهو أخف المذاهب يقول أنه فاسق ويجب أن يعزَّر، يضرب ضرباً شديداً ويحبس حتى يصلي، لأن الصلاة عماد الدين، وهي الفيصل بين المسلم وغير المسلم، وهناك المشهور في مذهب أحمد: أن تارك الصلاة كافر وهو مذهب عدد من أئمة السلف، فهذا الإنسان إما كافر وإما فاسق، فكيف تجبر المرأة أن تعيش معه، فلها الحق في هذه الحالة إلا إذا كان عندها أمل أن يتوب الله عليه وأن يصلح حاله بعد فساد وأن يتوب بعد معصية ويهتدي بعد ضلالة، فإذا كان عندها أمل تصبر عليه وإلا فلها الحق في طلب الطلاق من أجل هذه الكبيرة الموبقة.
بالنسبة لسؤالها الثاني فهناك حقوق لا ينبغي للمرأة أن تفرط فيها مادامت الحياة الزوجية قائمة مثلاً حق المعاشرة الجنسية لا ينبغي للزوجة أن تقول لزوجها لا في هذه الحالة، وإلا ما معني الحياة الزوجية
(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ولكن كما ذكرنا في الحلقة الماضية أن كل حق يقابله واجب، فهل الرجل يطالب حقه ولا يطالب نفسه بأداء حق زوجته، هذا ظلم؛ ما دمت تطلب حقك فلابد أن تؤدي واجبك، والله تعالى يقول (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) كما أن على المرأة واجباً فإن عليه واجباً مقابل هذا الواجب، فالعدل أن يكون كل حق يقابله واجب وأن من طالب غيره بأداء حقه يجب أن يطالب نفسه بأداء حق غيره.

مشاهد من الفجيرة
أنا من حوالي شهرين بعثت مبلغ لوالدي في مصر، طبعاً والدي أخذ المبلغ وقد بعثت هذا المبلغ ليبني لي بيت، ووالدي رجل ميسور عنده بيت وعنده أرض، فأخذ المبلغ وقال لي سأفتح لك بهم حساب وبعد فترة قال لي ابعث فلوس لزوجتك مصاريف، فأنا تضايقت وحلفت يومها حلفان بالطلاق كتهديد إذا لم تضعوا فلوسي في البنك حتى شهر مارس فزوجتي طالق وليس لها رد يمين، فهل اليمين بالطلاق يقع في هذه الحالة أم لا.
وعندي سؤال ثاني والدي رجل ميسور وأنا أعمل هنا براتب 1000 درهم ومهما بعثت له من مال يقول لي أنت لا تبعث شيء ويزعل مني ولقد وُلِدَ لي وَلَدْ هناك من شهر رمضان وليس معي المال لأنزل وأراه، فماذا أفعل مع والدي حتى أتجنب غضبه علي؟ وجزاكم الله خيراً.

القرضاوي
أما اليمين بالطلاق أو الحلف بالطلاق مادام الأخ يريد أن يحمل أباه على شيء أو يريد أن يمنعه من شيء، هذا الطلاق الذي يريد به الحمل أو المنع فهو يمين، المذهب الذي أفتي به هو مذهب بعض السلف وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ابن القيم وغيره، قالوا أن هذا النوع من الطلاق هو يمين وفيه كفارة يمين مثل تحريم الحلال، أن يحرم الإنسان على نفسه شيء، لِمَ تحرم ما أحل الله لك؟ وقال بعد ذلك
(قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم) فهذا فيه كفارة يمين، فالطلاق لا يقع ولو حصل الحنث أي أن الأخ حلف على أبيه أن يفعل كذا ولم يفعل كذا، ففي هذه الحالة عليه كفارة يمين أن يطعم عشرة مساكين نقدرها هنا بحوالي 150 درهم أو إذا كان الأخ حالته المادية ضعيفة يدفع 120 درهم وإن عجز يصوم 3 أيام هذه كفارة مثل هذا اليمين.

المقدم
بالنسبة لسؤال أخونا الثاني وهو كيف يعامل والده الذي يقسو عليه ويأخذ ماله هذه حقيقة من الأمور التي تشوِّش الروابط الأسرية والعلاقات الأسرية؟

القرضاوي
بعض الآباء أيضاً يظنون أن لهم حقوقاً مطلقة على أولادهم وليس هناك حق مطلق إلا لله تبارك وتعالى الذي خلق الإنسان ورزقه وأحياه ودبَّر أمره، إنما كل إنسان له حقوق مقيدة، فالأب له على ابنه حق في حدود مقدرة ابنه واستطاعته، الله تعالى هو خالقنا ورازقنا يقول
(فاتقوا الله ما استطعتم) يعني لا يكلفنا ما لا نطيق ويقول (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً)، (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) وهذا الأب يريد أن يحمل ابنه ما لا طاقة له به، فهو يقول أن معاشه 1000 درهم وهذا المعاش بالكاد يكفيه هو بنفسه، كيف يستطيع أن يعيش بل هو يريد أن يسافر ولا يجد ما يكفي لذلك، فالأب لا ينبغي أن يقسو على ابنه وليس له الحق أن يطلب من ابنه فوق طاقته ولو أن ابنه لم يستجب له فلا حرج عليه، لأنه أدى ما عليه والله تعالى أعلم بحاله، ربنا سبحانه وتعالى رؤوف رحيم بالعباد، إذا كان العباد قساة فالله أرحم بالعباد من والديهم، وهو أرحم بالعباد من الوالدة لولدها، فالأخ يعمل ما يقدر عليه في بر أبيه ورعاية أبيه وما لا يقدر عليه لا يكلِّف به، والله سبحانه وتعالى لا يحاسبه على ذلك بل تسعه رحمة الله عز وجل.

المقدم
فضيلة الشيخ بالنسبة للمشكلات التي تحدث بين الزوجين لاشك أن للإسلام منهج في فض النزاع، فكيف يفض النزاع لو وقعت المشكلة ووقعت الخصومة وصارت المشاحة، ما هي الخطوات التي وضعها الإسلام لحل المشكلات وفض النزاع؟

القرضاوي
ينبغي أن ننظر من أين هبت ريح النزاع والشقاق هل هي من قبل الزوجة أم من قبل الزوج، أم قبل الاثنين معاً، إن كان من قبل الزوج تحاول الزوجة أن تصلحه
(وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما) وإذا هب الخلاف من ناحية الزوجة النشوز فعظوهن ثم الهجر في المضجع، ثم الضرب وليس معنى الضرب أنه يمسك خشبة ويكسر رأسها، إنما هو ضرب مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم "لولا اقتصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا السواك" وهذا لا يصلح مع كل امرأة، النبي عليه الصلاة والسلام قال "ولن يضرب خياركم" أي أن خيار الناس لا يضربون، والنبي عليه الصلاة والسلام ما ضرب امرأة قط ولا ضرب خادماً قط، ولا ضرب دابة قط، فهذا للضرورة القصوى، إذا كان الشقاق من الطرفين فالله تعالى يقول (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها أن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) أي نكوّن مجلس عائلي محكمة عائلية واحد من أهل الزوج وواحد من أهل الزوجة ومعنى الحَكَم أن الإنسان يستطيع أن يحكم أي أنه من أهل الرأي والعقل، لا نأتي بإنسان أحمق أو إنسان سريع الغضب أو إنسان سريع التفكير، لابد أن يكون إنسان متزن حكم (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) والعجيب أن القرآن أشار إلى حالة التوفيق ولم يشر إلى الحالة الأخرى إذا لم يوفقا ليرغِّب في الإصلاح والتوفيق بين الطرفين ما استطاعا ذلك.

مشاهد من الكويت
ما الحكم في عدم أخذ رأي البنت أثناء العقد والملكة؟

القرضاوي
هذا في الحقيقة رأي بعض الفقهاء أن يجبر الأب ابنته البكر على الزواج ولكن الرأي الصحيح وهو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الصواب الذي ندين الله به والذي يوافق الكتاب والسنة ويوافق الفطرة ومنطق الشرع ـ وقد قال الصواب ولم يقل الصحيح لأن الصواب يقابله خطأ والصحيح يقابله ضعيف ـ أنه لابد من أخذ رأي البنت، والحديث يقول
"البكر تستأذن وإذنها صمتها" فلابد أن يؤخذ رأي البنت، إذا كنا لا نستطيع أن نأخذ من مالها لنشتري لها شيئاً أو نبيع لها شيئاً إلا بإذنها، فكيف في أمر نفسها ومستقبلها ومصيرها لا نأخذ رأيها، لابد من أخذ رأيها ولابد أن يصدر تشريع بذلك يلزم أولياء الأمور أن يأخذوا رأي البنت صراحة ويجب على القاضي أو المأذون الذي يعقد العقد أن يشترط أن يسمع رأي البنت بنعم أو لا فإن قالت لا فلا يعقد العقد.

المقدم
في الحقيقة فضيلة الشيخ هذه القضية مهمة جداً لأنه فعلاً يكون من أسباب فشل الزواج أن تكون البنت مجبرة حتى يحضرني في هذا حادثة أن أباً زوَّج بنته وقال للمأذون أنني أنا أبوها وأعلم بها، فأصر المأذون إلا أن يسمع رأي البنت، فلما دخل عليها مع الشهود سألها عن رأيها قالت أنا غير موافقة على هذا الزواج، قال لها المأذون ولكن أبوكِ موافق، قالت فليتزوجه هو، يقول المأذون فخرجت من البيت ولم أعقد هذا العقد، فهذا الأمر مهم جداً.

القرضاوي
روي في الحديث أن
إحدى البنات جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: يا رسول الله إن أبي يريد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا له كارهة، قال لها: أجيزي ما صنع أبوكِ، قالت: أنا له كارهة، قال له: أجيزي ما صنع أبوك، قالها ثلاث مرات وهي رافضة، قال لها: إذن افعلي ما شئت، قالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم الآباء أنه ليس لهم من أمر بناتهم شيئاً، فقد أحبت أن تكسب هذا المبدأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنات جنسها، أنه لا يجوز للآباء أن يجبروا بناتهم على ما يكرهن، فهذا أمر في غاية الأهمية.

مشاهد من العين
لدي مجموعة من الأسئلة:
السؤال الأول: ما قولكم يا فضيلة الشيخ حول عيد الميلاد بالنسبة للأطفال؟
والسؤال الثاني: كذلك عيد الأم الذي يطبقه كثير من الناس ويقتدون بغيرهم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول
"لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر".
والسؤال الثالث: ما قولكم حول قول النبي صلى الله عليه وسلم
"أنت ومالك لأبيك" فماذا يحق للأب أن يأخذ من مال ولده؟
وأخيراً بالنسبة لتحديد المهور يستدل كثير من الناس أنه لا يجب أن نحدده، لقول المرأة لسيدنا عمر عندما أراد أن يحدد المهر قوله تعالى
(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً) فقال سيدنا عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وبالمقابل قول النبي صلى الله عليه وسلم "التمس ولو خاتماً من حديد" وبالمناسبة أناشد أولياء الأمور أن ييسروا أمور المهور وأمور الزواج لبناتهم ولشبابهم، وجزاكم الله خيراً وبارك فيكم.

القرضاوي
أما السؤالان الأولان للأخ السائل جزاه الله خيراً فمنشئهما هو التقليد الأعمى، أننا نريد أن نصبح أذناباً لغيرنا وقد خلقنا الله رؤوساً، وأن نكون عبيداً للغرب وقد خلقنا الله أحراراً، الغرب يعمل أعياد الميلاد للأطفال وللكبار، فنحن نقلد الغربيين ونفعل مثل هذا حتى الإنسان الكبير يعمل لنفسه عيد ميلاد، فقد مرت عليك سنة والمفروض أن تحاسب نفسك على هذه السنة، وتقعد تبكي على نفسك لا أن تشعل الشموع وتحتفل بنفسك، أيضاً بالنسبة للأولاد اتخاذ هذه العادة لهم سنوياً لا يجوز، أنا أقول أنه يمكن أن نحتفل بالأولاد في مناسبات معينة مثل عندما يولد المولود نحتفل به، ونعمل له عقيقة، وعندما يبلغ سبع سنوات نحتفل به ونقول له هذه سن الصلاة، ونقول له: والآن يا بطل نعمل لك حفلة للصلاة فأنت مطلوب منك الصلاة من الآن، ونأكل الكعكة ونشرب العصائر، فهذه حفلة الصلاة، وعندما يبلغ 10سنين نعمل حفلة أخرى "حفلة الضرب" نقول له: نحن عملنا لك حفلة من 3 سنين سابقة حتى تصلي الآن كبرت وإذا لم تصل تستحق الضرب، وبعدما يبلغ 15 سنة نعمل له حفلة أنه بلغ سن التكليف، هذه حفلات بمناسبات وليس كلما ازداد سنة نعمل له حفلة، ثم نعمل له حفلة بمناسبات أخرى كلما ينجح نعمل له حفلة، فعندما يقدم عمل جيد نحتفل به، وكذلك بالنسبة للفتاة، بالإضافة إلى ما سبق يمكن أن نحتفل بها عندما ترتدي الحجاب، فهذه الحفلات لمناسبات ولا نحتفل بهم كل سنة.
بالنسبة للأم الغربيين عملوا عيد الأم لأن الغربيين بعد أن يبلغ الولد والبنت يذهب كل واحد في حال سبيله ولا يعرف الأسرة ولا يعرف الأب ولا يعرف الأم، نحن لسنا هكذا، عندنا الابن مرتبط بأسرته والابنة مرتبطة بأسرتها، وكل أيام أمهاتنا أعياد وليس يوماً في السنة، إنما هم لأنه لا يرى أحد عندهم أولاده ولا الأولاد يرون آبائهم، فعملوا يوم للأب ويوم للأم، نحن ما حاجتنا لهذا، نحن نقلدهم تقليداً أعمى، وإن كان ولابد أن نحتفل بها فلنحتفل بها في عيد الفطر وعيد الأضحى، فلو واحد غائب عن أمه يروح يزورها يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى فهذا لا معنى له.
وبالنسبة لسؤاله عن حديث
"أنت ومالك لأبيك" فالإنسان له من مال ولده ما يحتاج إليه، يعني ليس معنى هذا أن يستولي الأب على مال أولاده ويقول "أنت ومالك لأبيك"، لا بل يفسر هذا سبب ورود الحديث أن الأب كان محتاج والابن كان قاس على أبيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهره وقال له: "أنت ومالك لأبيك" لأن "أولادكم من كسبكم" فالولد من كسب أبيه فيبخل على أبيه وأبوه محتاج إليه، عندما يحتاج الأب يكون مال ابنه مال له، ولكن الأمر ليس على إطلاقه أن يستولي الوالد على مال ابنه بدون حاجة لذلك ويقول "أنت ومالك لأبيك" لا، كل واحد له ماله على ملكيته إلا ما كان في حاجة إليه.
بالنسبة لسؤاله الأخير عن تحديد المهور أنا أرى أنه أمر مشروع وجائز ولا حرج فيه، وسيدنا عمر قال
"لو كان غلاء المهر مكرمة في الدنيا أو مثوبة في الآخرة لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي المهور لنساءه وبناته ما زاد على كذا، فبعض الأحاديث عرضت هذه القصة فقط وبعض الروايات زادت قصة المرأة أنها ردت عليه، وقال "أصابت المرأة وأخطأ عمر" وبعض العلماء ردوا هذه القصة وقالوا أن سندها سند ضعيف فيها مجاهد بن سعيد وفيها انقطاع فردوها، والبعض مثل ابن كثير قال أن سندها جيد وأنا أجوِّد سندها وأرجحه ولكن القصة ليس فيها نص قاطع، فالمرأة استدلت بقوله تعالى (وإن آتيتم إحداهن قنطاراً) هذا في مقام آخر، فالآية تقول (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً) أي حتى لو آتيتموهن قنطار (فلا تأخذوا منه شيئاً) مثل ما قال سيدنا أبو بكر "والله لو منعوني عقالاً كانوا يأدونه إلى رسول الله .." هذا من باب المبالغة، يعني لو كان حتى عقال مع إنه ليس مفروض الزكاة في العقال، ولكن هذا من باب الفرض وحتى لو فرض أن شخصاً ملك وسوف يتزوج بنت ملك آخر وسوف يعطي قنطار، يعطي نحن نتكلم في الحدود العادية، التشريع دائماً يكون للقاعدة العامة لا للشواذ الأعلى من القاعدة، ولا للناس دون القاعدة بل للأوساط، فلكي نقيم تشريعاً يجب أن يخدم القاعدة الكبرى من المجتمع، والقاعدة الكبرى من المجتمع تحتاج إلى تحديد لهذا المهر، عندما ينضج المجتمع ويقبل مثل هذا لأنه أحياناً ممكن أن تعمل تشريع والناس تترك التشريع وتكتب في الورق أن المهر كذا وتدفع أكثر، يعني هذا لا يحل المشكلة ما لم يتقبل الناس التشريع، فلابد أن يكون عند الناس من النضج الاجتماعي والوعي الإسلامي ما يقبل هذا التشريع، وإلا فإنهم يأخذون هذا التشريع ويجعلونه على الورق وينفذون شيئاً آخر.