فهرس الحلقات

مقالات ولقاءات

1998/5/24م

الشريعة والحياة - قناة الجزيرة الفضائية - الأحد الساعة السادسة بتوقيت غرينتش
المعوقون ودورهم في المجتمع

مقدمة

حوار مع أحد المعوقين المتميزين (الملاح محمد بلو)

رؤية المسلم للإعاقة

تعليق القرضاوي على الحوار مع (محمد بلو) كيف يتغلب المعوق على إعاقته ويندمج في المجتمع
كلمة للأسر التي تجد عناء في العناية بأطفالها المعوقين واجب المجتمع نحو المعوقين
تساؤلات المشاهدين

يجب التقليل من زواج الأقارب

كثير من المعوقين يحاولون إثارة الشفقة، النظرة في كندا للإنسان المعوق كغيره من الناس

هل يجوز للمرأة الحامل إجهاض جنينها المعوق؟

حاولت تقديم خبرتي للدول العربية دون جدوى

أمي مشلولة ولا أستطيع إحضارها لتعيش معي

للأسف لم يوفر لي عمل مناسب وأنا لا أقبل الإعانة

 

 

المقدمــة

قد خلق الله سبحانه وتعالى الخلق وميز بينهم في أجسادهم وألوانهم وقدراتهم المختلفة كما ميّز بينهم في صورهم وأشكالهم، ومن الناس من ابتلي بالحرمان من بعض النعم الجسمانية التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الآخرين فأصبحوا معوقين، وهؤلاء أعدادهم ليست قليلة في مجتمعاتنا، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد نشرت منظمة الصحة العالمية تقريراً الأسبوع الماضي، ذكرت فيه أن عدد المعوقين في مصر يقرب 5 ملايين مواطن أي تقريباً 8% من عدد السكان، وهذه النسبة تزيد أن تنقص في الدول العربية الأخرى، كما أشارت في تقرير آخر أن عدد العميان في العالم يزيد عن 52 مليون أعمى، بينهم 45 مليوناً يعيشون في الدول النامية التي ينتمي إليها العالم الإسلامي، وهذه الأرقام تعكس حقائق هامة حول هذه الشريحة الأساسية في مجتمعاتنا، تلك الشريحة التي ظهر منها مبدعون وأفذاذاً على مدار التاريخ وفي كل المجالات. نتناول اليوم أوضاع المعوقين وحقوقهم والدور الذي يمكن أن يقوموا به في مجتمعاتنا من خلال محاور وتساؤلات عديدة نطرحها على فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

المقدم
ما هي الرؤية التي ينبغي أن ينظر بها المسلم للإعاقة، سواء لنفسه أو أفراد أسرته أو المجتمع الذي يعيش فيه؟

القرضاوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد، فالإعاقة كلمة ليست صواباً من ناحية اللغة العربية، لأنه لا يقال أعاق يعيق إعاقة، بل يقال عاق يعوق عوقاً، أو عوّق يعوّق تعويقاً (يعلم الله المعوقين منكم) إنما اشتهرت كلمة الإعاقة والمعاق، ولكن هي خطأ لغوي، فالاسم الصحيح معوق وممكن يؤخذ منها التكثير على سبيل التشديد كما جاء في القرآن قال (يعلم الله المعوقين منكم) الذين يعوقون عن الجهاد، لذلك ممكن نقول المعوق والتعويق بدل الإعاقة، طبعاً الإنسان قامت حياته على الابتلاء، كما قال الله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)، (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والإنسان يبتلى بالشر ويبتلى بالخير، كما قال تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) فإذا نظر الإنسان إلى أن ما حرمه من نعم أعطيت لغيره، أن هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، وإن لله حكمة في كل ما يبتلي به خلقه، الإنسان المؤمن يعرف أن أعمال الله ليست عبثاً ولا اعتباطاً، ولكن كل فعل من أفعال الله لها حكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، كما قال الشاعر:

وكم لله من سر خفي يدق خفاه عن فهم الذكي

وكما قال أولوا الألباب (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك) الله لا يخلق شيئاً باطلاً ولا عبثاً، فإذا رأى الإنسان أنه ابتلي، يعلم أن لله سر في ذلك ولله حكمة، ومن عدل الله تبارك وتعالى أنه إذا حرم الإنسان شيئاً، عوضه شيئاً آخر، هذا ما نراه من خلال حكمة الله في الكون، لذلك تجد هؤلاء العجزة أو المعوقين أو الذين حرموا نعمة السمع أو نعمة البصر أو العرج أو خلافه، تجد أنه أوتي قوة من ناحية أخرى، يسميها علماء النفس التعويض، فتجد من لا يرى وسمعه قوي جداً، تجد إحساسه باللمس قوية، يعرف الإنسان من خطواته، هذه تعويضات إلهية، كذلك الذكاء، فكثيراً ما نجد هؤلاء أوتوا ذكاء وقدرات خاصة لم يؤتها الإنسان العادي، فهذا من تعويضات الله تبارك وتعالى له، فإذا نظر الإنسان إلى هذه الأشياء على أنها ابتلاء من الله، أعطاه ذلك شيئاً من الرضا والسكينة ولم يعش في قلق وسخط على نفسه وعلى الكون من حوله وعلى الأرض والسماء وعلى المخلوق وعلى الخالق، لأن هذا أولاً لن يغير الواقع، فيقال ارضي بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، فهناك أشياء يمكن أن تغيرها، فافعل ما يمكن تغييره، ولكن هناك أشياء لا يمكن تغييرها، الإنسان الذي ولد أعمى أو أعرج لا يستطيع أن يغّير هذا، ولكن يستطيع أن يقاوم هذا بأشياء أخرى وهبها الله له، فيستغل هذه المواهب الإلهية والنعم الإلهية في تعويض النقص الذي ابتلي به، هذا هو الذي ينبغي على الإنسان المؤمن، لا يستسلم لهذا النقص الذي ابتلي به ويعتبر نفسه خارج الكون وخارج المجتمع ولم يعد له مكان، لا لابد أن يجتهد ويكافح ويعلم أن مكانه محفوظ، وأن الله لا يمكن أن يضيعه، فإن الله لا يضيع من أحسن عملاً، وقد عرفت بعض المكفوفين أو العميان الذين كانوا يدرسون في الأزهر، فنحن نعلم أن الأزهر من قديم فتح أبوابه لهؤلاء الناس، خصوصاً العميان والمكفوفين، عندما أخذنا الشهادة العالمية تجد فيها نجح يوسف عبدالله القرضاوي وكان ترتيبه الأول على المبصرين المنتسبين في كلية أصول الدين وعددهم 280، لأنه يوجد مبصرين ويوجد مكفوفين، هؤلاء لهم امتحان وهؤلاء امتحان آخر، امتحان هؤلاء تحريري وشفهي والمكفوفين شفهي فقط، فلهم امتحاناتهم الخاصة، فأنا رأيت بعض هؤلاء وكان لهم أشياء عجيبة جداً، كان يحس بالموجودين بخطواتهم، وعرفنا في علماء الأزهر من الذين يدرسوننا من هؤلاء، فأنا من كان يدرّسني في معهد طنطا الديني درّسني الفقه الحنفي من المكفوفين وكان علاّمة في الفقه الحنفي، وبعض أساتذة التفسير والحديث، كانوا مكفوفين، وكان لهم قدرة هائلة في الحفظ، فقد لاحظت أن الله أعطاهم قدرة على الحفظ والاستيعاب ومن الصغر ينمي هذه الحافظة، فتجد حافظته أقوى، هذا أمر مشاهد، وبعضهم كان نابغة من النوابغ مثل الشيخ يوسف الرجوي وكان من هيئة كبار العلماء ومن كتاب مجلة الأزهر باستمرار وكان علامة في عصره.

المقدم
كيف يتغلب المعوق على إعاقته ويندمج في المجتمع ويصبح أكثر فاعلية حتى من الأصحاء؟

القرضاوي
هذا يحتاج إلى وعي وثقافة، أن يوعي المعوق نفسه من بداية الأمر أن الطريق مفتوح أمامه، ونوّعي المجتمع أن يعامل هؤلاء بما يشجعهم ويقوي إرادتهم، لا يكونوا مع الزمن عليهم كما يقولون، بل يكونوا عوناً لهم، وفي تراثنا الكثير من هؤلاء المعوقين أو أصحاب العاهات مثل: أحد فقهاء التابعين المشاهير، عطاء بن أبي رباح، كان فقيه مكة، وكان ينادي المنادي أيام الأمويين، يقول لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح في موسم الحج، ولما جاء عبد الملك بن مروان للحج أيام الخلافة وكان جالس ومعه أشراف الناس، ثم جاء عطاء بن أبي رباح من بعيد، فعندما لمحه قام من سريره واستقبله وأجلسه بجواره، ثم جلس بين يديه وقال حاجتك يا أبا محمد، فقال له اتق الله في حرم الله وفي حرم رسول الله وفي المسلمين وفي كذا وكذا، فقال أفعل، سألت لغيرك فما حاجتك؟ قال ليس إلى مخلوق حاجة. عطاء بن أبي رماح هذا كان رجلاً يصفه الذين ترجموا له كان أسوداً، أفطساً، أعرجاً، أشلاً، وكان يقاتل مع عبد الله بن الزبير فقطعت يده أيضاً، ومع هذا عبد الملك بن مروان يقوم من سريره ويجلسه، وكان أحد أئمة المسلمين، وهو ليس الوحيد، فتجد في رواة الحديث الأعرج في أسمائهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، يحي بن زكريا الأعرج، محمد بن يوسف الأعرج، فلان الفلاني الأعرج، أو حازم الأعرج، فهذا العرج لم يمنعهم من أن يكون لهم دورهم. في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرو بن الجموح، هذا من الصحابة من الأخيار، وكان شيخاً كبيراً وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان أعرج، وكان لهم بنون أربعة يشهدون المعارك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة أحد قال له أبناؤه يا أبت إن الله أعفاك وقال (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) في القتال، فأنت اجلس في البيت ونحن نكفيه، قال لهم لا والله، إني لأرجو والله أن أطأ بعرجتي الجنة، واشتكاهم للنبي صلى الله عليه وسلم والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة، فقال لهم دعوة، رجل أراد الشهادة في سبيل الله، وفعلاً كتب الله له الشهادة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح، كذلك نحن نعرف عبدالله بن أم كلثوم، الأعمى الذي نزل القرآن في قصته، أوائل سورة عبس (عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى) الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه رسوله أنه اشتغل عنه بدعوة كبار القوم وأشراف قريش، وقال لعل الله يلين قلوبهم ويدخلون في الإسلام، ولكن الله عاتبه أنه أعرض عن هذا الرجل (عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة) القرآن يريد أن يفتح الطريق أمام هؤلاء، لذلك القرآن جاء بهذه القصة، وجاء مرة أخرى غفل النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض المستضعفين من الناس، فجاء (فاصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، يريدون وجهه، ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) اهتم بهؤلاء، ومع أن القرآن نزل لإعفاء هؤلاء من الجهاد، ومن ناحية أخرى نزل أيضاً في سورة النور (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) بعض الناس كان يتحرج أن يأكل مع هؤلاء، ويقول لك لعل الأعمى لا يرى طيبات الطعام، فربما أنا آكل شيئا لا يأكله هو، فكانوا يتحرجون أن يأكلوا شيئا الأعمى أحق به، والأعرج أيضاً لا يستطيع أن يجلس الجلسة المريحة ليأكل، كذلك المريض، فالله سبحانه وتعالى يقول لهم لا، فلا يريد أن ينعزل هؤلاء عن المجتمع، فإذا انعزلتم عنهم معناه أنهم تقوقعوا على أنفسهم، يجب أن يعيشوا حياتهم العادية، يأكل معهم الناس ويأكلون مع الناس، فهذه الآية نزلت في هذه القضية، هذا كله عناية من الله سبحانه وتعالى بهؤلاء القوم المستضعفين، والقرآن أعفاهم من بعض التكاليف، رعاية أيضاً لضعفهم وحالهم، فمثلاً في الهجرة، الهجرة من دار الظلم ودار الكفر، التي اضطهد فيها الإنسان، فالمفروض الإنسان إذا اضطهد في دينه ومنع من إقامة شعائره وضيّقت عليه حياته، عليه أن يرحل من هذه الديار، لا يرضى بالهوان ولا بالذل، ولكن هذا بالنسبة للقادر، أما بالنسبة للضعيف، الله سبحانه وتعالى يقول (إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً) حتى في الحرب نهى الإسلام أن يقتل واحد من هؤلاء، إنسان ضعيف لا شأن له بالحرب، لا يقتل شيخ ولا امرأة ولا طفل ولا واحد من هؤلاء بل أوجب الدفاع عنهم والقتال دونهم.

المقدم
ما واجب المجتمع نحو المعوقين، ففي الغرب هناك تقدير لهم، فكيف نستطيع في البلاد العربية والمسلمة النهوض بالمعوقين وإعطائهم حقوقهم داخل المجتمع؟

القرضاوي
أولاً قبل هذا لابد أن نحاول التقليل من عدد المعوقين ما استطعنا، هناك أشياء قدرية لا نستطيع دفعها، وهناك أشياء من صنع الإنسان (ذلك بما قدمت أيديكم) مثلاً، شلل الأطفال، الطفل الذي تراه مصاب هنا نتيجة إهمال والديه في عدم أخذه التطعيم، فلماذا يهمل الناس هذا؟ أحياناً التعويق يأتي من أن الأم تتناول بعض الأدوية أثناء الحمل فيصاب الجنين بتعويق، كثير من المعوقين بأسباب الحروب، هذه أيضاً من الآفات التي لا ينبغي للإنسان أن يخوضها (الحروب) إلا من أجل الدفاع عن حق صريح، إنما ما يحدث في أفغانستان الآن، في قتال الناس، هذه حرب ليست مبررة بدون معنى، الناس لابد أن تحاول التقليل من عدد المعوقين، فزيادة عدد المعوقين في العالم العربي نتيجة قلة الوعي وقلة الاهتمام، فيكثر عندنا هؤلاء المعوقون، فيجب علينا ما استطعنا أن نجد سبيلاً إلى تقليل عدد هؤلاء فيجب أن نخوضه، فمثلاً طه حسين لم يولد أعمى، ولكن نتيجة أخطاء معينة أصيب بالعمى، فلابد على المجتمع أن يحاول التقليل من عدد هؤلاء، وما جاء به القدر هنا يكون واجبنا، أن نحاول رعاية هؤلاء، رعايتهم بكل طريقة، خصوصاً في عصرنا، عصرنا أصبح الآن يعلم كل إنسان، فهناك مدارس خاصة للعميان وفاقدي السمع والبكم، وعرفنا طريقة في القراءة والكتابة شيء عجيب أن الأعمى يستطيع القراءة والكتابة، ويصل إلى درجة أن يكون وزيرا!! كذلك طه حسين كان وزيراً للتعليم وعميداً للأدب العربي وهذا أيضاً من فضائل الأزهر، فطه حسين بدأ دراسته في الأزهر، ولذلك شوقي يقول في قصيدته الشهيرة عن شيوخ الأزهر:

قل والله ما تدري لعل كفيفهم يوماً يكون أبا العلاء المبصرا

يصل لدرجة أبو العلاء في الفكر والشعر، فنحن علينا أن نهيئ لهؤلاء الأسباب، هناك أحياناً الآلات والأجهزة المعينة فهناك الأجهزة التعويضية، الناس الذين أصيبوا في الحروب بقطع الرجل أو قد يصاب بسبب مرض تقطع رجله، الآن تركب له ساق، ويستطيع أن يمشي بها، فقد رأيت بعض الأخوة في البوسنة هكذا، ففي أول الأمر لم أحس، ثم عرفت أنهم يستخدمون هذه الأجهزة التعويضية، والتحركات بالكرسي، والآن عملوا سيارات، ليستطيع الإنسان المعوق أن يركب السيارة وبطريقة خاصة يقودها، فهم في كل شيء يفضلون، وأنا لاحظت بنفسي، عندما أجريت عملية وكنت محتاج أن أستخدم كرسي. وعندما كنت في فرنسا، قال الأخوة ـ كانوا يبنون هناك مسجداً في باريس ـ فذهبت هناك وتفرجت على هذا المسجد ووجدته شيئاً هائلاً، وقالوا كنا في الأول منفذين هذا المسجد بشكل مختلف، أرضيته مستوى عال ومستوى منخفض، فقالوا لهم ماذا لو جاء أحد معوق ووجد هذا المكان مملوء فكيف يذهب للمكان المرتفع؟ وقالوا لهم يجب أن تخصصوا مساراً أو ممراً يستطيع المعوق أن يستخدم فيه كرسيه، والأفضل أن يكون المسجد كله مستوى واحد حتى يكون أسهل عليه!! انظر هنا الناس يبحثون عن راحة هؤلاء، ونحن أولى بهم لأن ديننا يأمرنا بهذا، أن تعين المستضعف، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول "هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!" النصر والرزق يأتيان من الله ببركة هؤلاء، كما جاء عن بعض السلف (لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً) يعني من أجل هذه المخلوقات الضعيفة يرحم الله عباده، فنحن أولى أن نرحم هؤلاء من الغربيين، فإن كانوا يعنون بهم من الناحية الإنسانية، فنحن أولى أن نعنى بهم من الناحية الإنسانية ومن الناحية الربانية الدينية معا، هذا ما يأمرنا به ديننا.

المقدم
قد حرصت أن يصاحبنا أحد المعوقين الذين لم تعيقهم أعاقتهم عن أن يكون لهم دورهم الفعال في المجتمع، الأخ محمد توفيق بلو من المملكة العربية السعودية، وملاح سابق في الخطوط الجوية السعودية وابتلاه الله سبحانه وتعالى بكف بصره وهو كبير السن، ولكن هذه الإعاقة لم تحل بينه وبين أن يتجول في جميع أنحاء العالم، وحده مستخدما الطائرات والباصات والقطارات مثله مثل الأصحاء، بل ويسعى لتأسيس موسوعة للعميان عكف على إعدادها الآن وقام بمشروعات كثيرة لمساعدة العميان.
أخ محمد، أريدك أن تقص علينا بإيجاز كيف أمكنك أن تتغلب على إعاقتك وألا تجعلها تحول بينك وبين دورك في المجتمع؟

محمد بلّو
أشكركم على اهتمامكم بهذا الموضوع الحيوي والإنساني والذي هو جزء من الأخلاقيات الإسلامية وإكمالاً لحضارة المجتمع، حقيقة أنا فرصة تنقلاتي كانت بحكم عملي كملاح جوي، لكن أنا بعد أن فقدت البصر لم أقم إلا برحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأني حصلت على معلومات أنها في برامج إعادة التأهيل والاهتمام ورعاية المكفوفين على مستوى متطور، وهذا لمسته خلال رحلتين منفصلتين والتعامل مع جمعيات وهيئات متخصصة في هذا المجال، باختصار شديد جداً الوسيلة الأولى للإنسان ليستطيع أن يتجاوز مرحلة الإعاقة كما ذكر الشيخ في مقدمة البرنامج هي الوعي، والوعي يأتي من العلم والثقافة، وإعادة التأهيل والتدريب واكتساح شبح الخوف من الظلام وقبول الأمر الواقع أهم المفاتيح التي يستطيع الإنسان أن يتنقل بها ويتحرك، ولابد أن تكون البيئة مهيأة بإزالة العوائق بإتاحة المساعدات والفرص أمام المعوق، هذا ما يتميز به الحقيقة الغرب عن المجتمع الإسلامي في العصر الحديث.

المقدم
هل تواجه من البيئة المحيطة بك والمفترض أن تكون بيئة مساعدة وأنت عايشت الحالتين، فهل تواجه عدم إعانة وعدم مساعدة؟

محمد بلّو
أبدا، أواجه مساعدة فائقة، ولكن هناك فرق بينها وبين الشفقة، فمعروف في مجتمعاتنا بحكم العاطفية، الناس يساعدوك لدرجة الشفقة والتي في النهاية يكون لها مردود عكسي عليك فعلى سبيل المثال، فأنا الآن أبلغ من العمر 36 عاماً وفي حالة تقاعد منذ خمس سنوات، أنا أعمل حر، متفرغ للشهادات الشخصية في مجالات تطوير العاهات البصرية، إنما سبب تقاعدي في البداية كان نوع من الشفقة والمساعدة والعطف علي، فكان من الصعب على من حولي في العمل أن يتقبلوا هذا الإنسان الذي عرفوه مبصراً وتحول لشخص كفيف.

المقدم
إذا أنت توصي بألا يتعامل المجتمع مع المعوقين بشكل من الشفقة وأن يعتبروك عنصر فاعل وأنك تستطيع أن تعطي شيء متميز مثل الأصحاء تماماً؟

محمد بلّو
نعم وإتاحة جميع الفرص بمساواته مع الشخص المبصر، ولكن مع الأخذ في الاعتبار، أن الكفيف لا يمكن أن تساويه بالمبصر دون تأهيله وتدريبه وتهيئة الظروف والبرامج التدريبية والتأهيلية له ليكون إنسان منتج.

المقدم
وأنت في أمريكا في أحد أكبر المعاهد الهامة في مجال التدريب والتهيئة، هل واجهت هناك من الناس من قابلتهم في المركز ممن لهم تخصصات متميزة؟

محمد بلّو
في الحقيقة سكنت لمدة شهر مع شاب من اليابان، هو كان كفيف من الولادة ويعمل في الشركة الوطنية للمكفوفين اليابانية، هذه الشركة متخصصة فقط لبث الكتب الندوات عبر شبكة اتصالات خاصة لها أجهزة استقبال يقتنيها المكفوف، يستطيع في أي مكان في اليابان أن يستمع إلى الكتب التي تبث على مدار الساعة، وكان هذا الشاب الياباني يدرس على حساب الشركة في المعهد معي وفي نفس الوقت يقوم بتغطية لجميع الأنشطة التي تدور في الولايات المتحدة الأمريكية بما يتعلق بالعمى والإعاقات البصرية، ويبثها عبر شبكة الإنترنت، فعنده جهاز كمبيوتر متكلم باللغة اليابانية.

المقدم
ما الذي تقوله بصراحة للمجتمع حتى يتعامل مع المكفوفين بشكل صحيح وليس بالشفقة؟

محمد بلّو
رعاية المكفوفين والعناية بهم شريان اقتصادي حيوي، العالم الإسلامي والعربي غافل عنه، بسبب أن عدد المعوقين في عالمنا كبير كما ذكرت تصل إلى 40 مليون نسمة، هؤلاء يحتاجون لأجهزة كمبيوتر ناطقة، هذه الأجهزة معظم الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين يمتلكون هذه الأجهزة بلغاتهم، هذه الأجهزة تحتاج إلى تعريب، هناك أجهزة تقرأ على الكفيف، وهناك التقنية الفائقة التي يصل فيها تكلفة الفرد لما يقارب 20 ألف دولار، هناك الحقوق الحديثة لحماية حقوق المكفوفين والحفاظ على وظائفهم بالإضافة إلى التأمين، لأنه كانت هناك مشكلة أن التأمين الصحي لا يقوم بتغطية المساعدات البصرية ولكن عن طريق الجمعية الوطنية الأمريكية والهيئات المتخصصة في الحفاظ على حقوق المكفوفين أجبروا على أن عملية التأمين يشمل المساعدات والمعدات البصرية، فآمل أن العالم العربي والإسلامي لا ينظر لمساعدة المكفوفين من باب المساعدة والشفقة عليهم، بل أتمنى أن ينظروا له من منظور اقتصادي وتكامل للحضارة المدنية للأمة الإسلامية، رعاية الإنسان هي مفتاح حضارة أي مجتمع. ولو رجعنا 1400 سنة من الناحية الاجتماعية وبالتالي ننطلق مرة ثانية من منطلق ابن أم مكتوم الذي استطاع أن يكون شهيد القادسية وهو يحمل لواء الجهاد في معركة القادسية وخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة 19 مرة إضافة إلى أنه كان يؤذن لصلاة الفجر، فقد عرفنا في الحديث ورد "أمسكوا لآذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يرى الفجر" ونحن نعلم أنها مهمة صعبة وكان الأولى أن تترك لبلال بن رباح لأنه يبصر الفجر ولكن أهمية الأعمى والإصرار الذي وضعه الله في الإنسان عندما يكف البصر، يبرز سر من أسرار القدرة الإنسانية، أن الإنسان المبصر لديه نفس القدرات لدى الكفيف ولكن هو ليس بحاجة لاستخدامها، لذلك نجده أقل من الكفيف في الملاحظة والإدراك وآخره، وكما ذكر الشيخ أن الكفيف يستطيع أن يعرف من دخل الحجرة قبل أن يخبره، وهذا نتيجة حاسة الشم، نجد أن يوسف عليه السلام قال لا أجد ريح يوسف وهو كان أعمى في ذلك الوقت.
فنحن نحتاج لتطوير ونهج جديد لرعاية المكفوفين في العالم الإسلامي ونرجع كما كنا قدوة للعالم، كما قدم في مصر أيام الخديوي إسماعيل سنة 1911 أحد كتاب التراث الإسلامي وهو اسمه نكت الهميان في نكت العميان.

المقدم
شكرا أخ محمد على هذه المشاركة الطيبة وآمل أن يكون لهذا الكلام صدى، هل لك تعليق فضيلة الشيخ؟

القرضاوي
نعم هنا أذكر قول الله تعالى (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) العمى في الحقيقة ليس عمى البصر بل هو عمى البصيرة، فالإنسان قد يكف بصره ولكن إذا كان عنده بصيرة فإنه يستطيع أن يؤدي مهمته في الحياة ولا يعوقه ذلك أبداً، وقد رأينا كثيراً من المسلمين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة ومن بعدهم أصيبوا بالعمى في أواخر حياتهم، سيدنا عبدالله بن عباس أصيب بالعمى في آخر حياته، وبعض الناس عيره بهذا فوقف بن عباس وقال
"أن يسلب الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور،
عقلي ذكي وقلبي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مشهور"
سلبت نور العينين ولكن لم أسلب نور القلب، عندي قلب وعندي عقل وعندي لسان كالسيف، ورأينا في التاريخ الإسلامي أشياء كثيرة منها، تيمور لانك الحاكم المغولي الكبير الفاتح، لانك يعني الأعرج، هو كان أعرجاً وفتح الفتوح في العالم ووصل لما وصل إليه، وقد رأينا كما قال أخ محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم أكثر من مرة على الناس وفيهم كثير من المبصرين، وهذا يعطينا إشارة لأن نفتح لهؤلاء المجال ولا نحبسهم كما حبس المعري وسمى نفسه رهين المحبسين (العمى والبيت) هو من حبس نفسه مع أن الله آتاه من المواهب والقدرات الشيء الكثير فلا ينبغي للإنسان أن يستقبل الحياة بمثل هذه الروح، فأنا ذكرت أول ما ذكرت أننا في حاجة للوعي والثقافة، إنما نحن في حاجة أيضاً إلى الإيمان والإرادة، إذا الإنسان رزق الإرادة لا ينهزم -وهذا يأتي من قوة الإيمان- أبداً ولا يقنط ولا ييأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
(ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون).

مشاهد من الإمارات
أقول، أنا الشيخ عودنا ألا يكون هناك إفراط ولا تفريط، بمعنى ليس كل ذوو العاهة متقدمين ومتميزين بل هم قلة الذين برزوا واستطاعوا أن يعوضوا النقص بأن يكملوه في شيء آخر، وهذه القلة يجب أن نقتدي بهم، ولكن نرجو أن نذكر بقول أبو حنيفة في الاعتبار (ويكره إقامة الأعمى إلا أن يكون أعلم القوم) وأنا رأيت أن كثير من ذوو العاهات يتجهون إلى الإمامة أو ما شابه من هذه الأعمال من باب إثارة الشفقة، فأنا حضرت مناقشة بين النصارى والمسلمين، فوجدت أن أكثر الذين حضروا من أهل العلم المسلمين هم من ذوي العاهات، ولا نرى في الكنائس أو في الأديان الأخرى أن ذوي العاهات هم المسلمين فيها فقد يكون هناك نقطة تسول أو من هذا السبيل.

مشاهد من ألمانيا
أحسن دولة في العالم تهتم بالمعاقين هي كندا، حتى هيئة الأمم المتحدة وضعت كندا أحسن دولة في العالم، والأخ الفاضل محمد توفيق بلو أعطى مثلاً عظيم جداً، ولكن هو علق أنه في الدول العربية يوجد إهمال كبير للمعوقين، فأنا رأيي شخصياً أن يرسلوا من دول العرب إلى كندا، مع الاتفاق مع وزارة الصحة حتى يروا بأنفسهم المعوقين هناك.

مشاهد من ألمانيا
أنا معوق أعيش منذ سنوات في هذه البلاد فقد أصبت في حرب 1967 وأنا من فلسطين، وأرى هنا كيف يعامل المعاق في هذه البلاد، حيث أتيحت له كل التسهيلات وأعتقد أن بلادنا العربية والإسلامية لا ينقصها الجانب المادي لإقامة مثل هذه المراكز والاهتمام مثل هؤلاء، فمن الأشياء التي رأيتها أن الأطفال المكفوفين في هذه البلاد أوجدوا له القرآن الكريم مكتوب للعميان وهذا أعتقد أنه غير متوفر في البلاد الإسلامية، هذا مما يدل على أن النظرة هنا للإنسان كإنسان وليس كشكله واقفاً جالساً ناقصاً جاهزاً، وإنما كإنسان، وهذه للأسف تنقص بلادنا، وأنا درست في هذه البلاد هندسة كمبيوتر وأعمل هنا وأعامل من زملائي الألمان كواحد منهم لا فرق بيني وبينهم، ولكن عندما التقى ببعض الإخوان العرب تظل نظرتنا العربية للإنسان المعوق.

القرضاوي (تعليق القرضاوي عليهم جميعاً)
أنا أقول طبعاً ليس كل العميان أو المعوقين أذكياء، هذه صحيح ولكن أنا أقول هناك ما يقرره العلم نفسه، أن هناك التعويض الإلهي، إن الإنسان إذا حرم شيء يعوض بشيء آخر حتى أن الناس قالوا من قديم "مثل شائع عند المصريين خصوصاً" يقول "كل ذي عاهة جبار"، معناه أن الإنسان الذي لديه عاهة الله أعطاه قوة وجبروت في ناحية أخرى بحيث يعوض هذه العاهة، وهذا يجعلنا لا نهمل هؤلاء الناس، إنما ينبغي أن نهتم بهم وأن نفتح لهم من الأبواب ونيسر لهم السبل ما يستطيعون أن يستغلوا بهم مواجهتهم وقدراتهم الخاصة، فنحن رأينا في الرياضات في مصر السباح المصري المعوق وهو نابغ، فالإنسان حتى وهو معوق يمكن أن يكون رياضياً ممتازاً، ويستطيع أن يبرز ويتميز في مجالات شتى، وليس صحيحاً أن معظم علماء الدين من العميان، إنما لأنه في بعض العلماء من المتميزين والبارزين من المكفوفين خيل هذا إليه أن معظم رجال الدين من المكفوفين، لا ففي بعض البلاد لأنه لم يكن هناك في الصغر ما يستطيعون به حماية الأولاد من الجدري والأشياء المشابهة فسببت في بعض البلاد كثرة العميان، وكما نعرف أن الكثيرين من المسلمين يوجهون مثل هؤلاء إلى حفظ القرآن وإلى طلب العلم الديني، لأن هذا كان المتاح لهؤلاء، فبرز منهم من برز وهذا لا عيب فيه، وأنا أريد أن أقول، المهم علينا نحن الآن في بلادنا، إذا كان في كذا وصلوا إلى ما وصلوا إليه في ألمانيا، الأخ يحكي تجربته وكيف أنهم يكتبون القرآن بطريقة بريل لابد أن نهيئ نحن لأبنائنا وبناتنا هذه الوسائل ما استطعنا وفيه جمعيات للمعوقين وهنا في قطر جمعية للمعوقين، وفي بلاد شتى، أعتقد في كل البلاد الإسلامية أصبح هناك جمعيات تعمل لرعاية المعوقين، فلابد أن نساعد هؤلاء، وكثير من هؤلاء يستحقون الزكاة، صحيح ليس كل معوق يستحق الزكاة، لأنه قد يكون معوق وأبوه مليونير، إنما كثير من هؤلاء يستحقون، فيمكن أن نصرف من الزكاة لعمل دار لهؤلاء، عمل مركز لهم عمل معاهد لتدريسهم، المسلمون في الزمن القديم كانوا يغطون هذا، من الزكاة ومن التبرعات ومن الوصايا ومن الأوقاف، المسلمون وقفوا أوقافاً لأمثال هؤلاء، للعميان والعرجان والمرضى، أوقاف كبيرة جداً، فيجب أن نحيي الوقف الإسلامي لرعاية هؤلاء المعوقين لنستطيع أن نأتي لهم بالكمبيوترات الناطقة وبأجهزة للصم وكذلك لمن قطعت أرجلهم، وبهذا نستطيع أن نكون في مصاف الدول لنكون أهلاً لحمل هذه الرسالة، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام

مشاهد من فنلندا (دكتور مظفر ناظم وهو طبيب متخصص في الأطراف الصناعية)
: أنا شخصيا حاولت عدة مرات وعلى حسابي الخاص الاتصال بدول عربية لمساعدة أخوتي المعوقين وتقديم الخبرة التي حصلت عليها هنا في الدول الاسكندنافية، أنا تخصص هندسة أطراف اصطناعية، يعني تخصصي بالهندسة الصناعية والأجهزة المساعدة، وعندي براءات اختراعات مسجلة باسمي، أنا حاولت بعد هذه الغربة الطويلة أن أرجع للدول العربية والإسلامية لمساعدة أخوتي، لكن مع الأسف كانت ردود الفعل غير متوقعة. فقد حاولت خاصة بالنسبة للأخوة الفلسطينيين، فأنا قد دخلت مصر على حسابي الخاص وكان هدفي تقديم المساعدة (تبرع) لأخوتي الفلسطينيين في الأرض المحتلة منذ كنت أمتلك عيادة وورشة خاصة بفنلندا، إنما أنا الآن متبني أبحاث، فأنا أناشد الجهات الإسلامية، أنا مستعد لأنزح لأي دولة عربية وتقديم خبرتي، فممكن أن نقيم مركز إسلامي لصناعة الأطراف الاصطناعية حيث أرقام هواتفي (400664504-358) في مدينة فازا. من خلال متابعتي، أغلبية الإعاقات نتيجة تعارض الإنسان مع الفطرة مثل الأطعمة، الشذوذ الجنسي، بالنسبة للأطعمة سوء استعمال الطعام، وغيره من أمور فطرية، فهنا تحدث أشياء كثيرة نتيجة لابتعاد الإنسان عن الفطرة التي وهبها الله للإنسان والتزامه بآداب الشرع والدين.

القرضاوي
وأنا أريد أن أقول للدكتور مظفر، نحن نشكو من هذه العقول المهاجرة، والعقول المتميزة والمبرزة في الميادين العلمية والتكنولوجية المختلفة، فأنا أناشد القادة والمسؤولين ألا يضيعوا مثل هذه العقول وأن يستجدوها لديارنا لتقوم بوظيفتها، فالأخ يريد أن يعود ولكن لم يجد من يرحب به للأسف، فهذه مناشدة لكل مسؤول ليفتح الطريق لهؤلاء النوابغ، بلادهم أولى بهم.

مشاهد من المدينة المنورة
أنا لدي شلل في القدم اليمنى، أنا درست التدريب المهني للمعوقين وهو فيه غاية لا تقل عن الخارج، فنسيت إعاقتي تماما، فأنا تخصص كهرباء، ولكن للأسف مكتب العمل لم يوفر لي العمل المناسب لأني معاق مع العلم أني لا أقبل أخذ إعانة، مع أن المعاق لا يقل عن غيره، كما لا يقل عن غيره في إحساسه بالوطنية والانتماء.

مشاهد من اسكتلندا
أضم صوتي لمن سبقني وأشكركم جزيل الشكر، والتمس من الشيخ أن يركز على قضية وهي في اعتقادي هامة جداً للحد من حدوث الإعاقة ألا وهي الزواج من الأقارب كما تعرفون الزواج من الأقارب ينتج عنه أطفال ضعاف وربما معاقين.

القرضاوي
الفقهاء ذكروا أنه مما يستحب في المخطوبة ألا تكون من أهل خاطبها حتى نظمها أحد الفقهاء الشعراء

صفات من يستحب الشرع خطبتها جلوتها لأولي الألباب مختصرا
صبية ذات دين زانه أدب بكر ولود حكت في حسنها القمر
غريبة لم تكن من أهل خاطبها، تلك الصفات التي أجلو لمن نظر

، فالفقهاء استحبوا ذلك، وقد ورد عن سيدنا عمر (اغتربوا لا تضووا ) أي الولد لا يكون ضاوياً، حتى العرب ذكروا في شعرهم من القديم، ابنة العم وغيره أنه فعلاً تؤثر في النسل خصوصاً إذا تكرر، فالتكرار يركز العيوب الوراثية، ويكون عرضة، ونحن عندنا في عائلتنا مع أنها عائلة صغيرة جزء من العائلة يكررون الزواج من بعض، فعندهم عدد من المعوقين، هذا أخرس وهذا كذا، وهذا لكثرة الزواج من بعض، لذلك أنا مع الأخ أنه ينبغي ألا نكثر في زواج الأقارب، ففي بعض البلاد للأسف زواج بنت العم كأنه شيء مقدس، وعندنا القبائل العربية في مصر عندهم مثل "ياكلها تمساح ولا ياخدها فلاّح"، وهنا في كثير من البلاد ابن العم أولى، وأحياناً ابن العم لا يريدها وهي لا تريده، ولكن التقاليد، فلابد من التخفيف من هذا الأمر ما استطعنا للتقليل من عدد المعوقين.

المقدم
رسالة من مشاهدة من الجزائر تقول هل يجوز للمرأة الحامل إذا علمت أن جنينها معوق أن تجهضه؟

القرضاوي
التأكد من تعوق الطفل نسبي، فهم يقولون لا يمكن التأكد في الأيام الأولى، فإذا تأكدنا قبل الأربعين، فهذا يمكن على بعض المذاهب أن تتخلص منه إذا كان معوقاً تعويقًا خطيراً أيضاً، لأنه أحياناً قد يكون أعمى، فماذا في ذلك ليكن أعمى فهل العمي لا يعيشون، نقتله لأنه أعمى؟ إنما هناك أحياناً حالات سيكون فيها عبء على نفسه وعلى أهله طول الحياة تعويق خطير، مثل هذا يمكن. إنما على كل حال قد يتساهل فيما دون الأربعة أشهر، ويتساهل أكثر فيما دون الأربعين، إنما إذا تجاوز الأربعة أشهر يصبح إنساناً، ومن فضل الله أن التعويقات الكبيرة هذه في الغالب لا يعيش المصاب بها بعد ولادته.

مشاهد من ألمانيا
أمي مريضة (مشلولة) وأنا أسكن هنا وأريد أن آتي بها، لكن زوجتي تعمل وعندي أربع أطفال، وقد يتسبب حضورها في مشاكل، خصوصاً أنها في المغرب تعيش مع أخي في مشاكل بسبب هذا المرض لأنها لا تستطيع رعاية نفسها بنفسها، فأريد إشادة بهذا الموضوع، ففي المغرب هي عند أخي وهو عنده خادمة، وأنا هنا في بيت صغير وأنا غالب اليوم غير موجود.

القرضاوي
أنت يمكن أن تساعدها في ألمانيا أكثر من بقائها في المغرب، فأنت عندك من الإمكانات والقدرات في ألمانيا يمكن أن يساعدها أكثر من بقائها في المغرب، وإن لم يكن تعينها بالمدد المالي ليعين أخاك على برها والقيام بحقها، لأن واجب رعايتها عليك وعلى أخيك كما عليك أن تسأل عنها باستمرار وتزورها.

المقدم
لدي العديد من الرسائل من أسر تجد عناء شديد من وجود طفل معوق داخلها والعناية به، فكلمة موجزة منك فضيلة الشيخ لهذه العائلات.

القرضاوي
أقول للعائلة التي ابتليت بهذا، عليها أن تصبر على هذا الأمر وتعلم كما قلنا في بداية الحلقة أن هذا ابتلاء من الله ولابد أن يكون له حكمة، وهذا الابن له حقوق علينا بل حقوقه مؤكدة أكثر من غيره لأنه لو كان للطفل الصحيح حق فللطفل المعوق حقان، وقد يكون هذا أحد النوابغ، تعويقه لا يعني أنه انتهى، لا الحياة متاحة له والأبواب مفتحة أمامه، وينبغي أن نحاول أن ننشئ له من الفرص ما يجعله يعطي أفضل ما عنده، والآباء والأمهات وباقي الأسرة مأجورة إن شاء الله.